مقالات
الوقف التاريخي للشريف غالب.. من التأسيس والحوكمة إلى الأثر المستدام
يستعرض المقال قصة وقف الشريف غالب بن مساعد، أحد أبرز الأوقاف التاريخية في مكة المكرمة، منذ تأسيسه عام 1216هـ، مرورًا بشروط الواقف ومصارفه ومراحل تطوره، وصولًا إلى أبرز التحديات التي واجهته وسبل معالجتها. كما يسلط الضوء على عوامل استدامته، ومنها حسن اختيار الأصول.......
نشر بتاريخ: 2 أغسطس، 2026م
مدة القراءة:9 دقائق
فريق التحرير استثمار المستقبل
استثمار المستقبل
الوقف التاريخي للشريف غالب.. من التأسيس والحوكمة إلى الأثر المستدام
تُعد الأوقاف من أجل العبادات وأعظم القربات التي حث عليها ديننا الحنيف، وقد دلّ على فضلها قول الله تعالى: “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” [آل عمران: 92]، فبيّن سبحانه أن حقيقة البر لا تُنال إلا ببذل أحب الأموال في سبيله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاث: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه“، وحيث إن الأوقاف بطبيعتها من العبادات ذات المنفعة الدائمة؛ فإنها تدخل في معنى الصدقة الجارية التي دل عليها الحديث الشريف، إذ إن الوقف عملٌ ذو نفع مستمر ودائم الأثر، ومن أجل الأعمال ذات النفع المتعدي والأثر المستدام على مر العصور.
وقد حرص الكثير من الناس عبر العصور على إيقاف أملاكهم كلّها أو بعضها خلال فترة حياتهم، مما أوجد الكثير من الأوقاف التاريخية التي أسهمت في خدمة المجتمع، ولا يزال ريعها قائمًا يصرف على المستحقين حتى يومنا هذا، ومن أبرز هذه الأوقاف: (وقف الشريف غالب بن مساعد)، الذي أوقفه عام (1216هـ الموافق 1801م) ليستمر عطاؤه وريعه حتى يومنا الحاضر، فمن هو الشريف غالب؟ وما شروط هذا الوقف؟ وسماته والتحديات التي واجهها؟ وغير ذلك من المعلومات التي سنتعرف عليها في هذا المقال.
الشريف غالب بن مساعد:
هو الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن سعد آل زيد، ولد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وتولى إمارة الحجاز بعد وفاة أخيه سرور عام 1202هـ، حيث استمرت مدة إمارته ستة وعشرين عامًا، عاصر خلالها آخر سنوات الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب، وبينهما عدد من المراسلات. توفي عام 1231هـ في جزيرة سلانيك، بعد عزله من الإمارة ونفيه إليها.
موقع الوقف وتاريخه:
هو وقف يشمل بعض أملاك الشريف غالب، من مزارع وعقارات وأراض تقع في كلٍ من مكة المكرمة وجدة والطائف وضواحيها، حيث ينقسم وقف الشريف غالب إلى قسمين:
- وقف ذُرّي: وهو الوقف المشروط ريعه لذرية الواقف من بعده أو لأشخاص معينين من ذريته، مع جواز تحويل ريعه لجهة خيرية بعد انقضاء مدة الانتفاع المحددة.
- وقف حشري: وهو من أنواع الوقف الذُرّي، غير أن الاستحقاق فيه للذُرّية يكون متساوٍ فلا يحجب أحدًا من الموقوف عليهم الآخر، سواءً من الطبقة الدنيا أو الطبقة العليا من الذُرّية.
يُعد أحد أكبر الأوقاف التي تأسست في مكة المكرمة في القرن الثالث عشر الهجري الموافق القرن التاسع عشر الميلادي، حيث صدرت وثيقة الوقف بصك فيه حكم شرعي من قاضي المحكمة الشرعية بمكة المكرمة حسب المعمول به في المذهب الحنفي، وكان ذلك (غرة شهر المحرم من عام 1216هـ الموافق 13 مايو 1801م).
شروط الواقف:
اشترط الواقف عددًا من الشروط تم حصرها فيما يلي:
- أن يبدأ من ريع الوقف بعمارته وترميمه، وما فيه بقاء عينه ومنفعته، ولو أدى ذلك إلى صرف جميع غلته على هذا المصرف.
- أي أن يكون الاهتمام بصيانة الوقف وضمان استدامته هو الأولوية في صرف ريع الوقف أولًا، قبل أن يُصرف بعد ذلك لمستحقيه من الموقوف عليهم.
- ألا يؤجر بأقل من أجر المثل.
- كأن يتم تأجير العقار بأقل من القيمة السوقية المتعارف عليها لمثله، وهذا يخالف شرط الواقف المنصوص عليه.
- ألا يؤجر أكثر من سنة في عقد واحد عند عدم الضرورة.
- بمعنى لا يجوز للناظر إبرام عقد إيجار للوقف مدته أكثر من سنة، ما لم تكن هناك ضرورة لذلك.
- تكون النظارة لنفسه مدة حياته، ثم من بعده لابنته الكبيرة الشريفة مزينة، ويصبح أكبر أولاده مشرفًا عليها، ثم يصير النظر عليها للأكبر فالأكبر.
- أي تكون النظارة للواقف طوال مدة حياته، ثم تنتقل بعد وفاته لابنته الكبرى، ويكون أخيها الأكبر مشرفًا عليها، لتنتقل بعد ذلك للأكبر فالأكبر من أبناء الواقف أو ذريته.
- لا يشارك الناظر مطلقًا أي أحد في النظر من وصي وغيره.
- ويعني هذا الشرط ألّا يُشرك ناظر الوقف أي أحدٍ غيره في إدارة الوقف، وهذا الشرط لا يخالفه ما قام به النظار في الوقت الحالي من تكوين مجلس للنظارة، لأن مصلحة الوقف تقتضي وجود عدد كبير من النظار، وأيضا لحوكمته، ولأن الأنظمة والمعايير المؤسسية تقتضي ذلك، ولله أعلم.
مصارف الوقف:
يُصرف ريع الوقف أولًا على صيانته وترميمه وما فيه ضمان بقاء عينه ومنفعته واستدامته، ثم يتم بعد ذلك صرف ما تبقى من الريع وفق الترتيب التالي:
- تذهب إلى الواقف نفسه أولًا: أي أن منفعة الوقف تذهب في المقام الأول إلى الشخص الذي أنشأ الوقف.
- أولاد الواقف ذكورًا وإناثًا: وهم أولاد الواقف من الأبناء والبنات.
- نسل الواقف وعقِبِه وعلى أولاد الظهور دون أولاد البطون: أي أولاد الواقف، وأحفاده من أبناء الذكور وذُرّيتهم من الذكور، دون أولاد الإناث وذُرّيتهم.
- من بعد ذرية الواقف يصرف على أقرب العصبات إلى الواقف من الأشراف آل زيد وعتقائه بالسوية بينهم: وهم أقرب الأقارب من جهة الذكور (الإخوة، أبناء الإخوة، الأعمام…) من الأشراف آل زيد، ومن قد أعتقوا، وذلك بالتساوي بينهم.
- من بعد العصبات يصرف على الفقراء والمساكين من الأشراف النمويين الذكر والأنثى على السواء: وهم الأشراف الذين يُنسبون لمحمد أبي نمي الأول، أحد أشراف مكة.
إجراءات لحقت بالوقف:
جرى نزع بعض أملاك الوقف لصالح توسعة الحرم المكي الشريف مثل: التوسعة السعودية الأولى والثانية وتوسعة الساحات الشمالية، ولا يمكن تحديد تاريخ محدد للنزع، حيث أتى النزع لصالح عدة مشاريع، وعلى مراحل متعددة حسب كل مشروع.
إجراءات لحقت بوثيقة الوقف:
تكوين مجلس إدارة الوقف: حيث تم ضم ناظرَين آخَرَين لإدارة الوقف، إضافة إلى الناظر الأكبر سنًا (حسب شرط الواقف المنصوص عليه في وثيقة الوقف)، وهذا ما يعد زيادةً على شرط الواقف لا نقضًا له، حيث اقتضت الحاجة إضافة ناظرَين آخَرَين للاشتراك مع الناظر الأكبر سنًا في إدارة شؤون الوقف، ليتكون الوقف بذلك من مجلس إدارة فيه ثلاثة نظّار: الأكبر سنًا (حسب شرط الواقف) ويُضم إليه ناظران مختاران من البالغين المستحقين.
أبرز محطات الوقف التاريخية:
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس التي بدأت من حياة الواقف، والتي أصدر فيها وثيقة الوقف بصك فيه حكم شرعي من قاضي المحكمة الشرعية بمكة المكرمة.
المرحلة الثانية: بدأت من تولي ابنة الواقف نظارة الوقف، بإشراف الابن الأكبر للواقف، والتي نجحت فيها باسترداد العديد من أعيان الوقف من السلطنة العثمانية.
المرحلة الثالثة: بدأت من وفاة الشريف عبدالمطلب بن غالب (سنة 1303هـ الموافق 1885م) إلى قبل دخول الملك عبدالعزيز للحجاز (سنة 1344ه الموافق 1925م)، ومرت هذه المرحلة بأحوال من الركود وبعض التقلبات.
المرحلة الرابعة: بدأت من دخول الملك عبدالعزيز إلى الحجاز سنة (1344هـ الموافق 1925م)، إذ شهدت الأوقاف في عده نقلة نوعية بإسنادها للمحاكم الشرعية وجعلها ضمن صلاحيتها، من أجل الحفاظ عليها، وتثبيتها.
المرحلة الخامسة: هي مرحلة التنظيم والتطوير، وقد بدأت من عام (1402هـ الموافق ١٩٨1م) حتى الوقت الحاضر، حيث تكوّن فيها مجلس إدارة للوقف حسب الأنظمة، وكان ذلك باتفاق كبار الأسرة.
تحديات واجهت الوقف:
كغيره من الأوقاف واجه وقف الشريف غالب العديد من الصعوبات والتحديات التي أدت إلى انخفاض الريع، والتأخير في الإجراءات الإدارية للنزع والتعويضات وغير ذلك من التحديات التي يمكن تعدادها في النقاط الآتية:
- منازعات الملكية: وهي ظاهرة طبيعية يحسمها القضاء خاصةً مع وضوح الوثائق والصكوك.
- الرسوم التي استجدت: كضريبة القيمة المضافة ورسوم الأراضي البيضاء، إذ تبلغ مساحة الأراضي البيضاء التابعة للوقف “سبعة ملايين وخمسمئة وواحدًا وأربعين ألفًا ومئة وواحدًا وثلاثين مترًا مربعًا”.
- آثار جائحة كورونا (عام ١٤٤٢ه الموافق ٢٠٢١م) على انخفاض دخل الوقف لأقل من النصف.
- دعاوى المستحقين.
- بطء الإجراءات في بعض المحاكم المختصة.
- استغراق صرف تعويضات بعض عقارات الوقف مدة طويلة نسبيًا، وذلك بسبب احتياجها للمرور بإجراءات إدارية ضابطة.
- الإشكال في قسمة قيمة تعويض العقود مطلقة المدّة في حال نزع ملكية العقار.
معالجة التحديات:
كان لإدارة الوقف الحالية ومن سبقتها الفضل في مواجهة التحديات التي تعرض لها الوقف، والعمل على معالجة ذلك من خلال بعض الإجراءات والعمليات المتمثلة في:
- الدفاع عن الوقف أمام المحاكم الشرعية .
- بذل الجهود لتخفيف أضرار الأحوال الاقتصادية التي تكررت على المنطقة .
- اقتراح استثناء الوقف من وجوب دفع ضريبة القيمة المضافة ورسوم الأراضي البيضاء.
- شراء بدل عن العقارات المنزوعة لصالح توسعة الحرم دون تواني.
- تطوير الكثير من عقارات الوقف واستثمارها.
- وضع آلية لاستقبال شكاوى المستحقين ومعالجتها.
ونتيجة لذلك فإن جميع أعيان الوقف الحالية هي ذاتها الموقوفة في عهد الواقف، سواء كانت زراعية أو تجارية، باستثناء ما تم نزعه، ولا تزال أغلب هذه العقارات مُدرّةً للدخل.
وبعد نزع الملكية لبعض الأوقاف، تم شراء العوض فتزايدت بذلك الإيرادات بما يكفي لحاجات مستحقين الوقف، وتحقيق شرط الواقف، وهذا يؤكد جهود نظّار الوقف، ويعزز من مبدأ التعامل الجاد والعملي مع أي صعوبة تواجه الأوقاف كي تبقى معمَّرة ومستدامة الأثر.
سمات الوقف:
- أنه وقف ذُرّي.
- أنه وقف مُدرٌ على مر تاريخه: أي أنه يُدرّ دخلًا ماليًا منتظمًا يمكن الاستفادة منه.
- كثرة النزاعات القانونية بين المستحقين والنظار، مما أعطى القضاء سلطة المحاسبة والرقابة المستمرة.
- كثرة أصول الوقف وكبر حجمها.
- حُسن إدارة الوقف وتنظيمه مقارنة بالأوقاف الأخرى في المنطقة .
عوامل استدامته:
- قيام الواقف على وقفه: فالشريف غالب جعل نفسه الناظر للوقف خلال حياته، وباشر موضوع تأسيس الوقف بنفسه.
- حسن اختيار الأصول: اختار الشريف غالب أصولًا ذات ريع يُتوقع استدامته، وظهر ذلك في الأوقاف القريبة من الحرمين الشريفين.
- الحرص على صيانة الأصل: فقد جُعل ريع الوقف يبدأ بعمارته وترميمه وضمان منفعته، ولو أدى ذلك إلى صرفه كله على هذا المصرف.
- الاستفادة من الوقف من خلال ريعه لا الانتفاع به بشكل مباشر: وهذا يتمثل في الاستفادة من ريع الوقف في ترميمه وصيانته ابتداءً، ثم توزيعه على مستحقيه من الموقوف عليهم، دون الانتفاع من عين الوقف بشكل مباشر، كالسكنى وغير ذلك.
- الصياغة المحكمة لوثيقة الوقف: امتاز الوقف بتحديد شروط الواقف ومصارف الوقف وآلية تحديد الناظر.
- التوثيق المناسب: توثيق الوقف عن طريق القضاء، فقد تم إصدار وثيقة للوقف بصك شرعي من قاضي المحكمة الشرعية بمكة المكرمة.
- مراعاة المتغيرات: ويتمثل ذلك بالتحلي بشيء من المرونة، ومحاولة استشراف المستقبل من خلال إتاحة حرية التصرف بالأصلح للناظر، وهذا تجلى في إجراءات ما بعد نزع الملكية، وشراء العوض مما أدى إلى استدامة الوقف ومضاعفة الدخل.
- توسيع أفق المصارف لتشمل الواقع والمستقبل: وهذا ظاهر في وثيقة الوقف من خلال تدرج صرف الريع للولد ثم الحفيد فالأقرب من العصبات حتى الفقراء والمساكين.
- تكوين مجلس للنظار لإدارة الأوقاف: وذلك ما حدث في الوقف من تكوين مجلس إدارة للوقف يتكون من ثلاثة نظّار.
- القضاء المستقل: فللقضاء تأثير كبير في توثيق الأوقاف، وفي الفصل في النزاعات، وفي الإشراف على التثمين، وفي المناقلات، وفي استثناء الأوقاف من بعض المتطلبات.
- التكيف مع المتغيرات القانونية: تمثل ذلك في مسارعة وقف الشريف غالب لإصدار صك الوقف، واستخراج الصكوك لعقارات الوقف.
الخاتمة:
يتبين لنا من خلال هذا المقال مدى المسؤوليات الملقاة على عاتق القائمين على إدارة الأوقاف، وما يبذلونه من جهود متواصلة منذ لحظة تأسيسها وتوثيقها بالصكوك الرسمية لضمان شرعيتها، كما يظهر دورهم في تنظيم حوكمتها عبر وضع شروطها ومعايير صرفها وتحديد مستحقيها وآليات اختيار ناظريها، إضافة إلى مايتبع ذلك من استمرار العمل على صيانتها وضمان استدامتها ومعالجة تحدياتها والعقبات التي يواجهونها كالدعاوى والمنازعات أو نزع ملكيات أو الكوارث الطبيعية وغيرها.
وفي المقابل، تمتاز هذه الجهود بكونها تُبذل في ميدان العمل الخيري، فهي ليست مجرد أعمال إدارية أو مالية؛ بل هي عبادة سامية ذات أبعادٍ إنسانية، يكافئ القائمين عليها بأجرهم في الدنيا بما يلمسونه من أثر متعدٍّ على حياة المحتاجين والمستحقين، وبثواب أعظم في الآخرة كما بشّرت به النصوص الشرعية، ثم إن طبيعة الأوقاف بحد ذاتها من الأعمال المستمرة والمستدامة ما دامت مواردها قائمة، ليبقى عطائها متدفقًا عبر الأجيال، محققًا بذلك مبدأ الصدقة الجارية على مر العصور.