مقالات

هل يستفيد قطاع الأوقاف من ازدهار السياحة في السعودية؟

يناقش المحامي د. يوسف بن صالح السديس، نائب الرئيس التنفيذي لشركة استثمار المستقبل، في مقاله «هل يستفيد قطاع الأوقاف من ازدهار السياحة في السعودية؟» الفرص التي يتيحها النمو السياحي لتنمية الأصول الوقفية وتعظيم أثرها، مستعرضًا نتائج دراسته للدكتوراه حول العلاقة بين السياحة والأوقاف، وسبل تحويل هذه الفرص إلى عوائد مستدامة.

نشر بتاريخ: 10 أغسطس، 2026م

مدة القراءة:5 دقائق

المحامي د.يوسف بن صالح السديس

نائب الرئيس التنفيذي

الكاتب

المحامي د.يوسف بن صالح السديس

نائب الرئيس التنفيذي

محتويات المقال

هل يستفيد قطاع الأوقاف من ازدهار السياحة في السعودية؟

لم يكن اختياري للعلاقة بين السياحة والأوقاف موضوعًا لبحث الدكتوراه اختيارًا نظريًا محضًا، بل جاء من ملاحظةٍ صاحبتني خلال عملي واهتمامي بقطاع الأوقاف؛ فقد كنت أرى التحول الكبير الذي تشهده المملكة في قطاع السياحة وفقا لرؤية السعودية 2030، وما صاحب ذلك من إحياءٍ للمواقع التاريخية، وتطويرٍ للوجهات الثقافية والبيئية، وتوسعٍ في خدمات الضيافة، وزيادةٍ في أعداد الزوار، ثم أتساءل: أين يقف قطاع الأوقاف من هذا التحول؟ وهل سيبقى متابعًا له، أم يستطيع أن يكون شريكًا فيه، ومستفيدًا منه، ومساهمًا في استدامته؟

يصرّ هذا السؤال في الحضور حين ننظر إلى طبيعة كثير من الأصول الوقفية؛ فبعضها يقع في مدن ومواقع تشهد نموًا سياحيًا متسارعًا، وبعضها يرتبط بتاريخ ديني أو ثقافي، وبعضها يملك فرصًا استثمارية يمكن أن تتضاعف قيمتها مع ارتفاع أعداد الزوار، وتطور البنية التحتية والخدمات، ومع ذلك لا تزال الصلة بين النمو السياحي وتنمية الأوقاف تتأرجح بعرىً غير وثيقة، ولم تتحول جميع الفرص المتاحة إلى مشروعات أو شراكات أو عوائد مستدامة.

من هنا نشأت فكرة بحث الدكتوراه الذي أعددته لدراسة أثر ازدهار السياحة في نمو الأوقاف في المملكة العربية السعودية، وليجيب عن السؤال الجوهري في هذا السياق: هل ينعكس ازدهار السياحة على نمو الأوقاف؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يحدث ذلك؟ وهل تتساوى السياحة الاقتصادية والثقافية والبيئية في أثرها؟ وما الذي يجعل وقفًا يستفيد من الفرصة، بينما لا يتمكن وقفٌ آخر من تحويل الفرص المحيطة به إلى نمو مؤسسي أو مالي أو اجتماعي؟

علاقة قديمة في صورة جديدة

العلاقة بين الوقف والسفر والتنقّل علاقة ممتدة، تضرب بجذورها في التاريخ الإسلامي؛ فقد أسهمت الأوقاف منذ عصر الخلافة الراشدة، والخلافة الأموية وما بعدها؛ قرونًا طويلة في خدمة الحجاج والمسافرين وأبناء السبيل، وأُنشئت الطرق والآبار والخانات والمدارس والمستشفيات، ومُوِّلَت عمارة المساجد والمرافق العامة، فلم يكن الوقف يومًا بعيدًا عن حركة الناس وتنقلهم، بل كان جزءًا من البنية التي جعلت السفر للحج والعلم والتجارة آمنًا ومستقرًّا.

لكن الصورة المعاصرة لهذه العلاقة أصبحت أوسع؛ فالسفر اليوم إلى المملكة ليس مقصورًا على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل امتد ليشمل أغراضاً سياحية وثقافية وتراثية وبيئية وترفيهية، ويرتبط بمنظومة كبيرة من الفنادق والمطاعم والنقل والأسواق والمتاحف والفعاليات والخدمات الرقمية والمشروعات الصغيرة.

وهذا الاتساع يفتح أمام الأوقاف مجالين متكاملين: أن تسهم في خدمة السياحة وتحقيق منافعها الاجتماعية والثقافية والبيئية، وأن تستفيد في الوقت نفسه من النمو السياحي لتنمية أصولها وإيراداتها وتوسيع أثرها؛ إذْ يمكن أن يملك الوقف أصلًا فندقيًا أو عقاريًا في منطقة سياحية، أو يموّل ترميم موقع تاريخي وإحيائه، أو يسهم في إنشاء متحف أو مركز ثقافي، أو يدعم الحِرَفيين والأسر المنتجة، أو يشارك في مشروعات المحافظة على البيئة، أو يوفر خدمات للزوار والحجاج، أو يدخل في شراكة مع مستثمر أو مشغّل متخصص.

وبذلك تكون السياحة مجالًا يمكن أن يجمع بين تنمية المال، وحفظ التراث، وخدمة المجتمع، وتحقيق الاستدامة.

ماذا أظهرت الدراسة؟

أظهرت نتائج البحث أن ازدهار السياحة يؤثر في نمو الأوقاف، لكن الأثر لا يسير على وتيرة واحدة، ولا تتساوى المسارات السياحية وأبعادُها في كيفية انعكاسها إلى الوقف؛ حيث تُظهِر الدراسة أن الازدهار الاقتصادي الناتج عن السياحة يؤثر مباشرة في نمو الأوقاف؛ لأن ارتفاع الحركة السياحية يزيد الطلب على العقارات وخدمات الضيافة والنقل والتجزئة، ويرفع فرص استثمار الأصول الوقفية، ويفتح مجالات جديدة للشراكات وتنويع الإيرادات.

كما أن الازدهار البيئي للسياحة يؤثر مباشرة في نمو الأوقاف، ويؤثر فيها أيضًا من خلال زيادة مشاركة المجتمع، ويعني ذلك أن المشروعات التي تحافظ على البيئة والموارد الطبيعية وتتبنى السياحة المستدامة يمكن أن تعزز ثقة المجتمع ومشاركته، وتفتح مجالًا لنماذج جديدة من الوقف؛ كتأسيس “أوقاف خضراء” صديقة للبيئة، تُعنى بالتشجير والمياه والمحميات والمسارات الطبيعية.

أما الازدهار الثقافي؛ فلم يظهر له أثر مباشر في نمو الأوقاف، لكنه أثر فيها من خلال مشاركة المجتمع؛ فإحياء التراث والمحافظة على الهوية وتنشيط المواقع التاريخية لا يتحول تلقائيًا إلى نمو وقفي، ما لم يشعر المجتمع بأن له دورًا في المشروع، وأن الموقع يمثل هويته، وأن منافع المشروع تمتد إليه؛ وتُعد هذه من أهم نتائج الدراسة؛ إذ تكشف أن القيمة الثقافية -مهما كانت عظيمة- فإنها لا تكفي وحدها لبناء مؤسسة وقفية نامية، فلا بد من آليات تنقل الاعتزاز بالتراث إلى مشاركة، والمشاركة إلى دعم، والدعم إلى استدامة مؤسسية ومالية.

الفرصة السياحية والحوكمة

قد يمتلك الوقف عقارًا في موقع سياحي متميز، أو أصلًا تاريخيًا ذا قيمة ثقافية، أو أرضًا في منطقة بيئية واعدة، ومع ذلك لا تتحقق منه الفائدة المأمولة؛ لأن وجود الأصل لا يعني بالضرورة حسن استثماره، كما أن ارتفاع أعداد الزوار لا يعني تلقائيًا زيادة عوائد الوقف.

ولتحقيق حسن استثمار هذه الفرص، فإن الوقف يحتاج إلى مؤسسة قادرة على اكتشاف الفرص المتاحة أمامه، ودراستها واتخاذ القرار المناسب بشأنها برؤية استثمارية، وكفاءات إدارية، ونماذج تشغيلية، وشركاء متخصصين، وإدارة واعية للمخاطر.

ولهذا أثبت البحث أهمية الحوكمة في تعزيز أثر الازدهار الاقتصادي والبيئي على نمو الأوقاف؛ فكلما كانت الصلاحيات واضحة، والقرارات خاضعة للدراسة، وتعارض المصالح منظمًا، والإفصاح حاضرًا، والرقابة فعالة، كان الوقف أقدر على تحويل الفرص السياحية إلى نتائج حقيقية، على عكس ما لو كانت الحوكمة ضعيفة في الوقف؛ فقد تفوته الفرص بسبب بطء اتخاذ القرار، أو يدخل في مشروع غير مدروس، أو يختار شريكًا غير مناسب، أو يحقق عوائد لا تتناسب مع قيمة الأصل، أو يتعرض لمخاطر قانونية وتشغيلية ومالية كان يمكن تجنبها.

ولذا فإن الحوكمة هي أداة تمكين وليست عبئًا إجرائيًا؛ لأنها لا تعني تعطيل القرار أو سحب الصلاحيات من الإدارة التنفيذية، وإنما تعني تحديد من يقرر، وفي أي حدود، وكيف تُدرس المخاطر، وكيف تُحمى مصلحة الوقف، وكيف يُحاسَب المسؤول عن النتائج.

المجتمع شريك السياحة

كشفت الدراسة أن المجتمع يؤدي دورًا محوريًا في السياحة الثقافية والبيئية؛ فالمجتمع المحلي يمكن أن يكون شريكًا في تصميم المشروعات وتشغيلها وحمايتها والتعريف بها.

وتزداد فرص نجاح المشروعات الوقفية السياحية حين تسهم في تشغيل أبناء المنطقة، ودعم الحِرَفيين والأسر المنتجة، والمحافظة على الهوية المحلية، وإشراك السكان في التخطيط، وإيضاح أثر المشروع وعوائده الاجتماعية، أما المشروعات التي تنفَّذ بعيدًا عن المجتمع واحتياجاته، فقد تنجح من الناحية الإنشائية، لكنها تظل محدودة الأثر أو ضعيفة القبول أو غير قادرة على الاستمرار.

ولذا بيّنت نتائج الدراسة أهمية التكامل بين المجتمع والمنشآت الوقفية؛ إذْ قد توجد لدى المجتمع رغبة في عمل الخير والمشاركة فيه، لكن هذه الرغبة لن تتحول إلى نمو مؤسسي إذا لم توجد جهة تستوعبها، وقنوات واضحة توجهها، ومشروعات مدروسة تحول الحماس المجتمعي إلى أثر مستدام.

ماذا يعني ذلك لقطاع الأوقاف؟

يمثل ازدهار السياحة في المملكة فرصة واعدة للأوقاف، والاستفادة من هذه الفرصة تبدأ من مراجعة الأوقاف لأصولها واستثماراتها ومصارفها في ضوء الخريطة السياحية الجديدة للمملكة من خلال طرح أسئلة واضحة، من أبرزها:

  • هل نملك أصولًا تقع في مناطق تشهد نموًا سياحيًا؟
  • هل جرى تقييمها وفق التحولات الجديدة التي تشهدها تلك المناطق؟
  • هل توجد أصول تاريخية أو ثقافية يمكن تأهيلها دون الإخلال بشرط الواقف أو بالهوية الإسلامية؟
  • هل نستطيع الدخول في مشروعات سياحية مباشرة، أم أن الأنسب هو التعاقد مع مشغل متخصص؟
  • هل لدى المؤسسة حوكمة تساعدها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب؟
  • هل يشارك المجتمع المحلي في المشروع ويستفيد منه؟

ولا تعني هذه الأسئلة أن تتحول جميع الأوقاف إلى استثمارات في السياحة، ولا أن يصبح كل أصل وقفي مشروعًا فندقيًا أو تجاريًا؛ وإنما المراد ألا يبقى الوقف بعيدًا عن أحد أكبر التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تشهدها المملكة، وأن يستقيد كل وقفٍ من هذه الفرصة بما يناسب أصله، وشرط واقفه، وقدراته، والمصلحة المتوقعة.

نحو شراكة واعية بين السياحة والأوقاف

جدير بالأوقاف في ظل هذا التنامي الوطني أن تقدم نموذجًا مختلفًا للتنمية السياحية؛ يجمع بين العائد والاستدامة، ويحفظ التراث، ويشرك المجتمع، ويعيد توجيه جزء من المنافع الاقتصادية لخدمة الإنسان والمكان؛ فالوقف والسياحة يشتركان في أوجه شتى؛ منها: أن الوقف بطبيعته مؤسسة طويلة الأجل، والسياحة المستدامة تحتاج إلى نظرة طويلة الأجل، والوقف مرتبط بخدمة المجتمع، والسياحة الناجحة لا تستغني عن قبول المجتمع ومشاركته، والوقف قادر على حفظ الأصول عبر الأجيال، والسياحة الثقافية والبيئية تقوم في جوهرها على المحافظة على الأصول وعدم استنزافها.

لذا يمكن أن تتشكل علاقة تكاملية يكون فيها الوقف شريكًا في صناعة السياحة، وتكون السياحة مجالًا لتنمية الوقف وتعظيم أثره.

وقد كان هذا هو السؤال الذي بدأت به رحلتي البحثية: هل يستطيع قطاع الأوقاف أن يستفيد من ازدهار السياحة في المملكة؟ وبعد دراسة هذه العلاقة ونتائجها، يمكن القول: إن الفرصة قائمة ومؤثرة، لكن الانتفاع بها مشروط بوجود إدارة كفؤة، وحوكمة فاعلة، ومشاركة مجتمعية حقيقية، ورؤية تدرك أن الأصل الوقفي ينمو حين يُحسن توظيفه بما يحقق شرط واقفه، ويعود نفعه على مجتمعه، ويسهم في بناء مستقبل وطنه.