مقالات
حوكمة أوقاف الانتفاع المباشر والاستثمار الاجتماعي
"رواسي" سلسلة مقالات دورية يقدم من خلالها د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس، الرئيس التنفيذي لشركة استثمار المستقبل القابضة، رؤيته حول أبرز التحديات والفرص والحلول في قطاع الأوقاف والقطاع غير الربحي. وفي المقال الثاني من السلسلة، يتناول "حوكمة أوقاف الانتفاع المباشر والاستثمار الاجتماعي"
نشر بتاريخ: 5 نوفمبر، 2026م
مدة القراءة:5 دقائق

د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس
الرئيس التنفيذي
حوكمة أوقاف الانتفاع المباشر والاستثمار الاجتماعي
دار بيني وبين أحد الواقفين حديث حول مسألة تتكرر في الواقع الوقفي؛ فلديه أصول عقارية خصّصها للانتفاع الخيري المباشر -كدار قرآن نسائية، وسكن خيري، ومزرعة يُصرف ريعها على وجه بر معيّن-، ولديه إلى جانبها وقف استثماري خيري، يملك شركة استثمارية، وكان يبحث عن الطريقة الأنسب لتنظيم هذه الأصول: أيضعها تحت الشركة الاستثمارية، أم ينقلها إلى وقف مستقل، أم يؤسس لها كيانًا غير ربحي خاصًا بها؟
وهي مسألة يواجهها كثير من الواقفين والنظار، ولا يظهر لي أن لها جوابًا واحدًا يصلح لكل حالة؛ إذ يتوقف الأمر على شرط الواقف وحجم أصوله وطبيعة أنشطته، وقد رأيت أن أشارك ما ظهر لي فيها، بعيدًا عن تفاصيل الحالة نفسها، وذلك بعرض أقسام الوقف من حيث مضمونه الاقتصادي، ثم حوكمة أوقاف الانتفاع المباشر وما تواجهه من تحديات في تمويل التشغيل، ثم حوكمة أوقاف الاستثمار الاجتماعي، مع بيان علاقة كل منهما بالأوقاف الاستثمارية “أوقاف الانتفاع غير المباشر”، سواء نشأت ضمن منظومة وقف استثماري، أو أُديرت من خلاله، أو استقلت عنه.
أقسام الوقف من جهة المضمون الاقتصادي:
يمكن تقسيم الوقف -من جهة مضمونه الاقتصادي- إلى ثلاثة أقسام[1]:
- أوقاف الانتفاع المباشر: وهي أصول تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه، كالمساجد ودور تحفيظ القرآن والجسور ومضافة المسافرين ودور الأيتام في المصارف العامة، أو مسكن الذرية في المصارف الخاصة.
- الأوقاف الاستثمارية أو غير المباشرة: وهي أصول تستثمر لإنتاج سلع وخدمات مباحة شرعًا، تُنفق عوائدها الصافية في أوجه البر العامة أو الخاصة.
- أوقاف الاستثمار الاجتماعي: وهي أصول تستثمر في أنشطة ذات بعد اجتماعي تحقق الغرض الموقوف عليه، فتجمع بين الانتفاع المباشر والاستثمار معًا؛ فهي أوقاف استثمارية من جهة أن المستفيد يدفع مقابل الخدمة، وأوقاف انتفاع مباشر من جهة أن النشاط الاستثماري يهدف إلى تحقيق فائدة مجتمعية مباشرة للمستفيدين، كالمستشفيات والجامعات والمدارس الأهلية الوقفية، والمزارع الوقفية، ومراكز الاستشارات الوقفية.
وقد جعل المنظّم هذا التمييز النظري أساسًا لتصنيف إجرائي أيضًا؛ إذ صنّفت لائحة تنظيم أعمال النظارة الأوقاف -لأغراض تطبيق أحكامها- إلى أربعة أصناف: الأوقاف الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وصنف رابع مستقل هو “الأوقاف ذات الانتفاع المباشر”، وعرّفتها بأنها “الأوقاف التي يتحقق للموقوف عليه الاستفادة من أصلها الموقوف بشكل مباشر مثل وقف الأجهزة الطبية ومراكز تقديم الخدمات الاستشارية وغيرها”[2].
وإفراد هذا النوع بصنف مستقل -بصرف النظر عن حجم أصوله- يدل على أن حوكمته تحتاج إلى معالجة خاصة تراعي طبيعته، ولا يكفي فيها الاعتماد على معيار الحجم وحده.
حوكمة أوقاف الانتفاع المباشر:
يكمن جوهر الحوكمة في أوقاف الانتفاع المباشر في التحقق من انطباق شروط الواقف على من يستخدم منفعة الوقف، واستمرار استحقاقه لها، والقدرة على نقل الانتفاع إلى غيره حين يفقد صفة الاستحقاق؛ ولذلك يكون التركيز فيها على فعالية الإدارة والتنظيم والعلاقة مع المستفيد المباشر، أكثر من التركيز على مسائل المراجعة الداخلية والخارجية والتدقيق على متطلبات مكافحة غسل الأموال، وهي مسائل تتصدر حوكمة الأوقاف الاستثمارية التي تتقاطع مبادئ حوكمتها بالدرجة الأولى مع القطاع الربحي.
وتنطبق على وقف الانتفاع المباشر -كسائر الأوقاف- عامة، واجبات الناظر وحقوقه الواردة في لائحة تنظيم أعمال النظارة، غير أن جملة منها تكتسب أهمية خاصة في هذا النوع تحديدًا، ومن أبرز ما ورد في اللائحة مما يلزم ناظر وقف الانتفاع المباشر، بغض النظر عن حجم وقفه ونوع النشاط الذي يقدمه للمستفيدين، ما يأتي[3]:
المادة الثامنة: تسجيل النظارة
- يجب على الناظر تسجيل الوقف، وكافة الأصول الموقوفة التابعة له، لدى الهيئة خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يوم عمل من تاريخ توثيق الوقف لدى الجهة المختصة.
- تحديث بيانات ومعلومات الوقف لدى الهيئة، في حال انتهاء سريان شهادة تسجيل الوقف أو حدوث تغييرات جوهرية على الوقف؛ كالتغير في الأصل الموقوف أو الموقوف عليهم.
المادة التاسعة: تنفيذ شرط الواقف
تنفيذ شرط الواقف والتحقق من انطباق شرطه على الموقوف عليهم، وطلب تفسير شرط الواقف عند الحاجة، منه في حال حياته، ومن الجهة المختصة بعد وفاته، والحصول على إذن الجهة المختصة في حال احتاج إلى مخالفة شرط الواقف.
المادة العاشرة: التزامات الناظر
- التقيد بالأنظمة واللوائح والتعليمات ذات العلاقة بجمع التبرعات وأخذ الموافقات اللازمة لجمع التبرعات.
- التقيد بالأنظمة ذات العلاقة بالحوالات المالية خارج المملكة وفق قواعد البنك المركزي.
- بذل العناية اللازمة للقيام بما يحقق الغبطة والمصلحة للوقف.
- وضع آلية للتواصل مع أصحاب المصالح، ومنهم الموقوف عليهم، وتلقي استفساراتهم واقتراحاتهم والشكاوى ومعالجتها.
المادة الحادية عشرة: حقوق الناظر
- يحق للناظر أخذ أجرة، ولا يشترط أن تكون مكافأة مالية فقد يشترط الواقف استفادة الناظر المحدودة من العين الوقفية[4].
- له صفة تحريك الدعوى وتمثيل الوقف وتفويض غيره بما لا يخالف شرط الواقف.
- الإشراف على أعمال الكيانات التابعة للوقف (كأن يؤسس الوقف شركة أو جمعية تتولى تشغيل خدماته أو تمويلها).
المادة الثانية عشرة: حماية الوقف
- يجب على الناظر صيانة الوقف وحمايته.
- لا يستطيع الناظر استبدال عين الوقف إلا بإذن الجهة المختصة.
المادة الرابعة عشرة: إدارة الوقف
الإشراف على أعمال إدارة الوقف ومن ذلك إعداد اللوائح الداخلية اللازمة لإدارة الوقف.
المادة الخامسة عشرة: الإدارة المالية
- يجب فتح حساب بنكي للوقف.
- تسجيل التعاملات المالية للوقف.
- حفظ وثائق الوقف ومراسلاته.
- إعداد بيان مالي بشكل سنوي يوضح واردات ومصروفات الوقف في حال وجودها.
المادة الثامنة عشرة: تعارض المصالح
- يحظر على الناظر التعاقد في أعمال الوقف أو تنفيذها بنفسه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية بشكل مباشر أو غير مباشر.
- يحظر على الناظر استخدام بيانات الوقف لتحقيق منافع شخصية.
المادة التاسعة عشرة: رهن الوقف
يحظر رهن الوقف إلا بإذن الجهة المختصة وإشعار الهيئة بذلك.
ولا يخفى على كل مطّلع حجم التحديات التي سيواجهها ناظر وقف الانتفاع المباشر، في سبيل تحقيق هذه المتطلبات، في ظل انعدام الغلّة والمكافأة المادية للناظر، مما يجعل تولي نظارة هذا النوع من الأوقاف مناسبًا بالدرجة الأولى للجمعيات الأهلية، التي تتفق أنشطتها مع غرض الوقف وشرط الواقف، وبإمكان الواقف أن يمنح نفسه أو مجلسًا إشرافيًا حقَّ مراقبة الناظر “الجمعية الأهلية” ومحاسبته وعزله.
تمويل التشغيل لوقف الانتفاع المباشر:
يواجه وقف الانتفاع المباشر -بخلاف الوقف الاستثماري ووقف الاستثمار الاجتماعي- إشكالًا خاصًا بطبيعته: فهو لا يُنتج عوائد يقتطع منها الناظر ما أجازته له المادة الثانية عشرة من لائحة تنظيم أعمال النظارة لتغطية تكاليف الصيانة والتشغيل، والأنظمة الحالية لا تيسّر له، بصفته وقفًا فرديًا قائمًا بذاته، جمع التبرعات الدائم لسد هذه التكاليف.
والحل الجذري لهذا الإشكال يتمثل في تأسيس وقف استثماري مستقل، تُخصص غلته لوقف الانتفاع المباشر، وعلى هذا جرت التجربة الوقفية عبر التاريخ الإسلامي؛ فقد أُنشئت الجامعات والمستشفيات الوقفية التي كانت تقدم خدماتها مجانًا مقترنةً بأوقاف استثمارية تُنفق عليها، ويجدر التنبيه هنا إلى أن دمج وقف الانتفاع المباشر في الوقف الاستثماري أو في شركة استثمارية تابعة له خيار غير موصى به؛ لأنه يضعف المركز المالي للوقف الاستثماري ويؤثر في تقاريره ومؤشراته المالية، غير أنه لا مانع من إلحاقه به إلحاقًا جزئيًا، أي في أحكام النظارة والإدارة فقط[5].
وإذا تعذّر تأسيس وقف استثماري داعم، فمن الحلول الممكنة أن يساهم وقف الانتفاع المباشر -وهو شخصية اعتبارية مستقلة- في تأسيس جمعية أهلية تعمل في مجال نشاطه ذاته، على نحو ما أتاحه نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية من جواز مساهمة الأشخاص ذوي الصفة الاعتبارية في تأسيس الجمعيات، فتكون هذه الجمعية الذراع النظامية المخوَّلة بجمع التبرعات والهبات لدعم نشاط الوقف وصيانة أصله.
ومن المقترحات كذلك تأسيس جمعيات وقفية أهلية، تختص بتغطية مصاريف تشغيل وصيانة أوقاف الانتفاع المباشر التي تفتقر إلى أوقاف استثمارية داعمة لها.
وتبقى الحاجة قائمة إلى أن يدرس المنظِّم إصدار قواعد وتنظيمات، تساعد هذا النوع من الأوقاف على جمع التبرعات لتغطية مصاريف التشغيل والصيانة، أسوة بالجمعيات الأهلية.
حوكمة أوقاف الاستثمار الاجتماعي:
إذا أوقف الواقف شركة استشارية أو تعليمية أو صحية، واشترط في وثيقة وقفه أن تحافظ الشركة على الغرض الاجتماعي الذي أُنشئت من أجله، ونصّ على توجيه الغلة إلى النشاط نفسه أو إلى الشركة ذاتها لتحقيق أغراضها؛ فهذا الوقف يُعدّ استثماريًا وفقًا للائحة تنظيم أعمال النظارة، مع أنه في حقيقة الحال لا يستهدف الربح بالدرجة الأولى، فالأرباح الناتجة عن نشاط الشركة ينبغي إبقاؤها أو إبقاء أغلبها لتوسيع النشاط وتعظيم الأثر.
لذلك المطلوب من الناظر أن تكون لديه خطة للوصول بالشركة إلى نقطة التعادل في الدخل ثم تحقيق الأرباح، مع مقاييس مرتبطة بتوسيع الأثر، علمًا بأن هذا النوع يحتاج غالبًا في سنواته الأولى إلى تمويل يغطي المصاريف الرأسمالية والتأسيسية، ومدار الحوكمة فيه على التحقق من التزام الشركة، بالغرض الذي أُنشئت من أجله، وبناء نموذج عمل تجاري يحقق لها استدامة الأثر.
وهذا اختلاف جوهري عن الوقف الاستثماري الذي يجب على ناظره أن يُعنى بتنمية أصوله وزيادة إيراداته، إضافةً إلى التزامه بتوزيع الغلة بعد إبقاء مخصص الاستثمار، وقد جرت الممارسة السائدة في وثائق الأوقاف على ألا يزيد هذا المخصص على 50% من صافي الأرباح.
وبناء على ما سبق تقريره فليس من الحكمة دمج أوقاف الاستثمار الاجتماعي مع الأوقاف الاستثمارية؛ لأن ذلك يضعف المركز المالي للأوقاف الاستثمارية، والأفضل هو تأسيسها في كيانات وقفية مستقلة، وقد تكون الشركات غير الربحية الخاصة من أنسب الأشكال القانونية لهذا الغرض، خاصة إذا نص عقد تأسيسها على أن تؤول أصولها عند التصفية إلى وقف.
وهذه رسالة تستحق أن توجَّه صراحة للمنظِّمين والجهات الإشرافية والمحاسبين العاملين في القطاع الوقفي: إن طبيعة أوقاف الاستثمار الاجتماعي، التي يتزايد عددها، تقتضي إعطاء الأولوية لإبقاء الأرباح وإعادة استثمارها في توسيع النشاط وتعظيم الأثر، مع مراعاة اختلافها عن الأوقاف الاستثمارية في آلية توزيع الغلة.
الخاتمة:
يتضح مما سبق أن المضمون الاقتصادي للوقف هو المدخل المناسب لاختيار نموذج حوكمته وشكله النظامي؛ فحوكمة وقف الانتفاع المباشر تركز على ضبط الاستحقاق وجودة الخدمة، مع حاجته إلى مصدر تمويل مستقر من وقف استثماري داعم أو جمعية أهلية مساندة، بينما تركز حوكمة وقف الاستثمار الاجتماعي على صون الغرض الاجتماعي وبناء نموذج عمل مستدام، وتتجه حوكمة الوقف الاستثماري إلى تنمية الأصول وتوزيع الغلة، ولذلك فالأولى أن يحتفظ كل نوع منها بكيان مستقل، مع إمكان الربط بينها في النظارة والإدارة، بما يحفظ لكل منها طبيعته، ويحقق مقصود الواقف.
