مقدمة

أُصدرت اللائحة المنظمة لإدارة أوقاف الجامعات بقرار من مجلس شؤون الجامعات لتنظيم إنشاء الأوقاف وإدارتها داخل الجامعات السعودية، وتحديد العلاقة بين هذه الأوقاف والجامعة من جهة، وبينها وبين الهيئة العامة للأوقاف من جهة أخرى.

ورغم ما تمثله اللائحة من خطوة تنظيمية متقدمة في تطوير القطاع الوقفي الجامعي، إلا أن صياغتها ولغتها النظامية أفرزت إشكالًا جوهريًا تمثل في غياب التمييز المفاهيمي بين مصطلحين وردا فيها مرارًا:

  1. الوقف الجامعي.
  2. الأوقاف الجامعية (أوقاف الجامعة).

وقد ترتب على هذا الغموض اختلاف في التفسير القانوني لطبيعة “الوقف الجامعي”، وهل يعد كيانًا وقفيًا خاضعًا لنظام الهيئة العامة للأوقاف ولوائحها، أم أنه كيان إداري تنظيمي داخل الجامعة يخضع لأنظمتها المالية والإدارية؟

تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذا الإشكال، وبيان دلالات نصوص اللائحة ومواضعها النظامية، وصولًا إلى تحديد الطبيعة القانونية الدقيقة للوقف الجامعي.

الإشكالية النظامية في تعريف “الوقف الجامعي

جاء تعريف الوقف الجامعي في المادة (1) من اللائحة على أنه:

“جميع الأوقاف التي تنشأ في الجامعة أو تتبع لها.”

وهذا التعريف – من منظور الصياغة القانونية – غامض ومركّب؛ إذ يجمع بين مفهومين مختلفين:

  • الأوقاف التي تنشأ في الجامعة (أي الكيان الإداري الذي تنشئه الجامعة لإدارة الأوقاف).
  • الأوقاف التي تتبع للجامعة (أي الأعيان الموقوفة لصالحها).

وقد استخدمت اللائحة في مواضع أخرى تعبير “أوقاف الجامعة” بصيغة الجمع أو “الأوقاف الموقفة على الجامعة أو على الوقف الجامعي”، وهو تعبير يُحيل بوضوح إلى الأوقاف الشرعية المسجلة والخاضعة لنظام الهيئة العامة للأوقاف()[1].

أما مصطلح “الوقف الجامعي” فقد استخدم للدلالة على الكيان الإداري المنظم لإدارة تلك الأوقاف، وهو ما يتضح من النصوص التي تناولت مقر الوقف الجامعي، وتكوينه، وصلاحياته، وموازناته، والتي تشير جميعها إلى أن الحديث يدور عن جهاز إداري لا عن وقف شرعي بالمعنى المتعارف عليه في نظام الهيئة العامة للأوقاف.

الاتجاه الأول – الوقف الجامعي ككيان إداري تنظيمي

من خلال تتبع مواد اللائحة، يتبين أن معظم النصوص تتعامل مع الوقف الجامعي بوصفه كيانًا إداريًا تابعًا للجامعة، يُنشأ بقرار منها، ويخضع لأنظمتها ولوائحها، ومن أبرز ما يدعم هذا الاتجاه ما يلي:

  1. إنشاء الوقف الجامعي بقرار من مجلس الجامعة

نصّت المادة (3) على أن الوقف الجامعي يُنشأ بقرار من مجلس الجامعة، دون اشتراط وجود واقف أو وثيقة وقف صادرة من وزارة العدل وشهادة من الهيئة العامة للأوقاف، مما يقطع بأنه منشأة إدارية مستقلة لا وقفية.

  1. مقر الوقف الجامعي داخل الجامعة

أوجبت المادة نفسها أن يكون مقره داخل الجامعة، وهو توجيه إداري لا يتفق مع طبيعة الكيانات الوقفية المستقلة التي تتطلب استقلالًا مكانيًا وماليًا.

  1. تعيين مجلس النظارة من مجلس الوقف الجامعي

بيّنت المادتان (5) و(7) أن أعضاء مجلس النظارة يُعيّنون بقرار من مجلس الوقف الجامعي دون مراعاة شرط الواقف، مما يدل على أن المجلس هنا تشكيل إداري تنظيمي وليس مجلس نظارة شرعي.

  1. التفريق بين عضو مجلس النظارة الجامعي والناظر

وفقاً للمادة التاسعة التي أسندت لمجلس النظارة مسؤولية “الإشراف على نظار أوقاف الجامعة وتعيينهم دون الإخلال بشرط الواقف” فإن اللائحة لا تعتبر عضو مجلس النظارة ناظراً، مما يعطيك دلالة على أن تسمية هذا المجلس بمجلس نظارة لا تعكس المفهوم السائد في الصيغ الوقفية بل هو أقرب إلى مجلس إدارة لتنظيم أوقاف الجامعة والإشراف على نظارها.

  1. خضوع الوقف الجامعي للأنظمة المالية والإدارية للجامعة

تعيين مراقب مالي للوقف الجامعي ومنع الصرف بدون موافقته، وفتح حساب للوقف الجامعي في البنك المركزي، وربط السنة المالية للوقف الجامعي بالسنة المالية للجامعة، واشتراط توافق النظام المحاسبي للوقف الجامعي مع أنظمة ولوائح الجامعة، وكل السياسات المالية الواردة في الفصل العاشر تدل على أن الوقف الجامعي خاضع لأحكام اللائحة المنظمة للشؤون المالية في الجامعات وليس لنظام الهيئة العامة للأوقاف أو للائحة تنظيم أعمال النظارة.

  1. مصادر الإيرادات لا تتناسب مع مفهوم الوقف العام

مصادر الإيرادات الموضحة للوقف الجامعي في المادة (14) لا تتناسب مع مفهوم الوقف العام الموضح في نظام الهيئة العامة للأوقاف، ومن ذلك على سبيل المثال: مخصصات الدولة، والدعم من الجهات المانحة، وأراضي الجامعة.

  1. الإحالة لأنظمة الجامعة فيما لم يرد فيه نص

المادة (31) جاءت صريحة بأن اللائحة تُحيل إلى أنظمة الجامعة في كل ما لم يرد فيه نص خاص، وهو نصٌّ قاطع بتبعية الوقف الجامعي الإدارية والقانونية للجامعة.

🔹 النتيجة:

هذه النصوص جميعها تدعم القول بأن “الوقف الجامعي” ليس وقفًا عامًا بالمعنى الشرعي والنظامي، بل هو مركز إدارة أوقاف الجامعة، أي كيان إداري تنظيمي يُعنى بالإشراف على الأوقاف الجامعية واستثمارها وفق سياسات الجامعة.

الاتجاه الثاني – الوقف الجامعي كيان وقفي خاضع لنظام الهيئة

في المقابل، ثمة نصوص في اللائحة قد يُفهم منها ظاهرًا أن الوقف الجامعي كيان وقفي، من ذلك:

  • تعريف الوقف الجامعي بأنه وقف ينشأ في الجامعة. (المادة 1)
  • الإشارة إلى مراعاة شرط الواقف في الوقف الجامعي. (المواد 3 و4 و16 و24).
  • تسمية مجلس الإدارة بمجلس النظارة الجامعي. (الفصل الخامس)
  • إلزام الأمين العام بتزويد الهيئة العامة للأوقاف بالحساب الختامي المعتمد. (المادتان 13 و30)
  • الإشارة إلى الريع السنوي قد يفهم منها ريع الوقف بالمفهوم الشرعي. (المادة 15)
  • النص على أن مخصص الاستثمار يعود لأصل الوقف لتنمية أصول الوقف الجامعي وتعامل الأعيان الناتجة معاملة هذه الأوقاف. (المادة 15)

لا شك أن النصوص المشار إليها هنا أحدثت لبساً عند المحللين لها، إذ يبدو للوهلة الأولى أن اللائحة تتجه لاعتبار الوقف الجامعي وقفاً خاضعاً لنظام الهيئة العامة للأوقاف، إلا أن أصحاب التوجه الأول أوردوا على هذه النصوص مجموعة من الإيرادات نجملها في النقاط التالية:

  1. تعريف الوقف الجامعي بأنه وقف ينشأ في الجامعة (المادة الأولى)

الحقيقة أن التعريف بأن الوقف الجامعي هو جميع الأوقاف التي تنشأ في الجامعة.. يحتاج تجويد لينسجم مع المواد الأخرى التي تناولت كيانين مختلفين بشكل واضح (الوقف الجامعي، وأوقاف الجامعة) ولو أطلقنا على الوقف الجامعي مصطلح (مركز الوقف الجامعي) لكان أوضح في التفريق بينه وبين أوقاف الجامعة.

  1. مراعاة شرط الواقف

المقصود هو شروط الواقفين في أوقاف الجامعة الموقوفة لصالح الجامعة، وليس أن الكيان الإداري له واقف محدد.

  1. تسمية مجلس النظارة الجامعي

استخدام مصطلح “النظارة” هنا تنظيمي لا شرعي، والمجلس يمارس مهام مجلس إدارة داخل الجامعة، ويُعيّن بقرار منها لا من الواقف، وربما لو أطلقت عليه اللائحة (مجلس الإدارة) لكان أوضح.

  1. تزويد الهيئة العامة للأوقاف بالحساب الختامي

مهمة الأمين العام هنا تندرج ضمن الإبلاغ والشفافية فقط، دون أن يترتب عليها خضوع كامل للهيئة، إذ لم تمنح اللائحة الهيئة إلا واحدة من الصلاحيات الست الواردة في المادة (5/5) من نظامها (كالرقابة والإشراف وحضور الجمعيات العامة).

  1. الريع السنوي وريع الوقف

مصارف الوقف الجامعي أشارت في أكثر من موضع إلى (الريع السنوي)، قد يقال إن المقصود هو الريع السنوي للوقف الجامعي وليس بالضرورة ريع الأوقاف الجامعية. كما أكدت المادة (24) على مراعاة شرط الواقف في التصرف بفائض الريع السنوي للوقف الجامعي، ويمكن أن يقال إن المقصود هو شروط الواقفين في الأوقاف الجامعية وأن كلمة (فائض الريع السنوي للوقف) هو الريع السنوي للوقف الجامعي على اعتبار أن الريع هو ريع هذه الأوقاف ابتداء، أو أن المقصود من العبارة الريع السنوي لوقف من الأوقاف الجامعية.

  1. مخصص الاستثمار وأصول الوقف الجامعي

نصت الفقرة رقم (5) من المادة (15) على أن مخصص الاستثمار يعود لأصل الوقف، لتنمية أصول الوقف الجامعي وتعامل الأعيان الناتجة معاملة هذه الأوقاف. هذه الفقرة من المواضع النادرة التي جمعت بين مصطلحي الوقف والأوقاف في موضع واحد، وقد يقال إن المقصود هو إعادة ما لا يتجاوز هذه النسبة للأوقاف الجامعية لتعظيم أصولها الوقفية. وليس المقصود أن الوقف الجامعي يمتلك هذه الأصول بشكل مباشر.

🔹 النتيجة:

هذه النصوص لا تثبت الطبيعة الوقفية للوقف الجامعي، بل تدل على تنسيق محدود بين الجامعة والهيئة العامة للأوقاف في ما يخص الأوقاف الموقوفة لصالح الجامعة، ونوصي بمراجعتها وتعديلها بما يزيل اللبس فيها في الإصدارات القادمة من اللائحة.

التفريق بين “الوقف الجامعي” و”الأوقاف الجامعية

من خلال التحليل السابق، يمكن صياغة التمييز المفاهيمي الآتي:

العنصر أوقاف الجامعة الوقف الجامعي
الطبيعة القانونية أوقاف شرعية موقوفة على الجامعة كيان إداري تنظيمي داخل الجامعة
المرجعية النظامية نظام الهيئة العامة للأوقاف ولوائحه لائحة إدارة أوقاف الجامعات + أنظمة الجامعات
الإنشاء الواقف مجلس الجامعة/ مجلس أمناء الجامعة
الشخصية الاعتبارية شهادة تسجيل في الهيئة العامة للأوقاف قرار من مجلس الجامعة أو مجلس أمناء الجامعة
الهيئة الحاكمة نظار الأوقاف وفق نظام الهيئة مجلس الوقف الجامعي
الموارد المالية غلة الأعيان الموقوفة وعوائد الاستثمارات مخصصات الدولة، الجامعة، تبرعات وهبات ومنح من أشخاص طبيعيين واعتباريين، أراضي الجامعة، أوقاف الجامعة، عوائد الاستثمار
المحاسبة وفق لائحة تنظيم أعمال النظار وفق أنظمة الجامعة واللائحة المنظمة لإدارة الأوقاف في الجامعات
الرقابة الهيئة العامة للأوقاف الجامعة

🔹 الخلاصة:

اللائحة — وإن لم تفصل صراحة بين المصطلحين — إلا أن التحليل المنهجي لموادها يُظهر أن المقصود بـ”الوقف الجامعي” هو مركز إدارة الأوقاف الجامعية داخل الجامعة، بينما المقصود بـ”الأوقاف الجامعية” هو الأوقاف الشرعية الموقوفة لصالح الجامعة والخاضعة لنظام الهيئة العامة للأوقاف.

الآثار المترتبة على التمييز

الفصل بين المفهومين ليست مسألة لغوية فقط، بل له آثار عملية وقانونية جوهرية، منها:

  1. نطاق الحوكمة:

دليل حوكمة أوقاف الجامعات المزمع إعداده من الهيئة العامة للأوقاف يجب أن يعنى بحوكمة أوقاف الجامعة لا الوقف الجامعي لأن الأولى هي الخاضعة لإشراف ورقابة الهيئة العامة للأوقاف.

  1. العلاقة مع الهيئة العامة للأوقاف:

علاقة الوقف الجامعي بالهيئة هي علاقة تنسيق وتكامل، لا علاقة تبعية أو إشراف مباشر، إذ تحتفظ الهيئة بصلاحياتها تجاه الأوقاف الجامعية الموقوفة فقط، ويضمن الوقف الجامعي الإدارة الرشيدة لغلة هذه الأوقاف.

  1. الاستقلال المالي والإداري:

الوقف الجامعي يتمتع باستقلال نسبي داخل الجامعة، وهو خاضع لأنظمة الرقابة المالية التي تخضع لها الجامعات.

خاتمة

إن الإشكال في تحديد الطبيعة النظامية للوقف الجامعي يعود أساسًا إلى غموض المصطلحات في اللائحة وعدم وضوح العلاقة بين الجامعة والهيئة العامة للأوقاف. غير أن القراءة التحليلية للنصوص تقود إلى ترجيح أن “الوقف الجامعي” هو كيان إداري تنظيمي داخل الجامعة، أنشأته اللائحة ليكون أداة لإدارة واستثمار الأوقاف الجامعية، بينما “الأوقاف الجامعية” هي الأوقاف الشرعية المسجلة الخاضعة لنظام الهيئة العامة للأوقاف.

وبناءً على ذلك، فإن أي إطار حوكمة لأوقاف الجامعات يجب أن ينطلق من هذا التمييز المفاهيمي، فيُبنى على ازدواج تنظيمي متكامل يجمع بين الحوكمة الإدارية للوقف الجامعي، والحوكمة الشرعية والنظامية لأوقاف الجامعة، وبهذا يتحقق التوازن بين استقلال الجامعات في إدارة أوقافها واستمرار الهيئة العامة للأوقاف في ممارسة إشرافها على الأوقاف العامة، بما يعزز الثقة والشفافية في إدارة الوقف الجامعي ويحقق المقاصد التنموية التي أنشئ من أجلها.

([1]) ينظر على سبيل المثال: المادة التاسعة حيث ربط الإشراف على أعمال الناظر وتعيينه بشرط الواقف، وأكد على تسجيل الأوقاف وأصولها ونظارها وتحديث شهاداتها وفقا لأنظمة الهيئة العامة للأوقاف.

كلمات ذات صلة: