محتويات المقال

الكاتب

د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس

الرئيس التنفيذي

من يَصنع الاستراتيجية؟ قراءة في علاقة المجلس بالإدارة التنفيذية على ضوء منتزبرغ

بقلم الرئيس التنفيذي لشركة استثمار المستقبل د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس

 

لدى عدد من أعضاء مجالس الإدارة في المنظمات -خصوصًا في القطاع غير الربحي- تصورٌ مبسّط لبناء الاستراتيجية مفاده أن: (المجلس يعتمد الاستراتيجية، والإدارة تنفِّذُها). ويُبنى على هذا التصور أن الرئيس التنفيذي لا يملك حق تعديل الاستراتيجية إلا بعد الرجوع للمجلس وأخذ موافقته، وأنَّ أي تغيير جوهري في المسار الاستراتيجي ينبغي أن يظل “مركزيًا” بيد المجلس.

هذا التصور، رغم وجاهته من زاوية الحوكمة الشكلية، لا يُعَبِّر بدقة عما يحدث فعليًا داخل المنظمات، ولا ينسجم مع طبيعة الاستراتيجية كما تناولها هنري منتزبرغ في دراسته([1]) حول (الاستراتيجيات المخططة والناشئة)، ولا مع واقع العمل الخيري والقطاع الخاص في المملكة اليوم.

بناءً على ما تقدم، تهدف هذه المقالة إلى:

  • تقديم قراءة مبسطة لدراسة منتزبرغ، وإبراز الفرق بين الاستراتيجية المخططة والاستراتيجية الناشئة.
  • التركيز على مفهوم “الاستراتيجية المظلّية” باعتبارها نموذجًا وسطًا بين المركزية الكاملة للمجلس، والتعلم العملي الاستراتيجي للإدارة التنفيذية.
  • ربط نماذج الاستراتيجيات التي تناولها منتزبرغ بواقع المجالس والإدارات التنفيذية في القطاع غير الربحي.

أولًا: من يصنع الاستراتيجية؟ سؤال مقلوب من الأساس:

في التصور التقليدي لصنع الاستراتيجية، تسير الأمور على النحو الآتي:

  1. مجلس الإدارة يكوِّن فريقًا لإعداد الخطة الاستراتيجية.
  2. الفريق المختص يصوغ الرؤية، والرسالة، والأهداف والاستراتيجية بالشراكة مع الإدارة التنفيذية.
  3. المجلس يعتمد وثيقة التخطيط الاستراتيجي.
  4. يسلّمها للإدارة التنفيذية لتنفيذها كما هي.
  5. المجلس يراقب أداء الإدارة التنفيذية، ويقيّم مدى تحقيقها للخطة الاستراتيجية.

هذا النموذج يفترض ضمنًا أن الاستراتيجية: “قرار واحد مفصَّل” يصدر من المجلس، وأن الواقع مستقر نسبيًا أو أنه سيتكيّف مع هذه الخطة إذا التزم التنفيذيون بها جيدًا.

هنري منتزبرغ يقلب هذا التصور رأسًا على عقب، إذ يعرّف الاستراتيجية بأنها: (نمط متكرر في الأفعال والقرارات بمرور الزمن، وليست مجرد وثيقة مكتوبة).

بمعنى آخر؛ ما نكتبه في وثيقة الاستراتيجية هو النية الاستراتيجية (Intended Strategy)، أما ما يتكوّن فعليًا من خلال التجارب والقرارات اليومية فهو الاستراتيجية المتحققة (Realized Strategy)، وقد تنشأ أثناء الطريق استراتيجيات جديدة لم تكن مكتوبة أصلًا، تسمى بالاستراتيجيات الناشئة(Emergent Strategies) ، وغالبًا ما يستفيد المجلس من نتائج هذه الاستراتيجيات الناشئة ليدمجها لاحقًا مع الاستراتيجية المكتوبة.

فهل السؤال الصحيح هو: (من يعتمد الاستراتيجية؟) أم (من يساهم في تكوين النمط الفعلي لسلوك المنظمة واستراتيجيتها؟)، وفي الفقرة التالية مزيد من الإيضاح في الآلية الواقعية لبناء الاستراتيجية وفقا لدراسة منتزبرغ.

ثانيًا: الاستراتيجية المخططة والاستراتيجية الناشئة:

1- الاستراتيجية المخططة(Planned Strategy):

هذا النوع هو الأقرب للمفهوم التقليدي في أذهان الكثير:

  • المجلس (أو القيادة العليا) يحدد بدقة: الأهداف، والوسائل، والبرامج، والمؤشرات.
  • البيئة الخارجية مستقرة نسبيًا.
  • الأجهزة التنفيذية تلتزم بالخطة كما وُضعت.

هذا النموذج هو الأنسب إلى حد كبير للمؤسسات الأهلية المانحة والأوقاف، وهو ممكن التطبيق في بعض الحالات، خاصةً عندما: تكون المنظمة كبيرة وناضجة (وهو مناسب للمنظمات البيروقراطية إلى حد كبير)، وعندما تُفرض على المنظمات مستويات عالية من الامتثال والحوكمة الشكلية، أو تعمل المنظمة في بيئة مستقرة نسبيًا، أو يمكنها السيطرة على البيئة الخارجية كأن تكون المنظمة هي اللاعب الكبير والقوي في مجالها.

2- الاستراتيجية الناشئة(Emergent Strategy):

هنا يصف منتزبرغ نوعًا آخر من الاستراتيجيات التي لم تُكتَب في وثيقة الخطة، وإنما تكوّنت تدريجيًا من أرض الواقع:

  • تظهَر أمام المنظمة فرص لم تكن متوقعة عند كتابة الخطة.
  • تُعدَّل الأنشطة استجابةً لاحتياجات المستفيدين أو المانحين.
  • الإدارة التنفيذية تتخذ قرارات متكررة في اتجاه معين غير واضح المعالم، كأن تبتكر منتجات نوعية أو تفتح أسواق أو مجالات جديدة، وتختبر استجابة البيئة الخارجية لها.

بعد فترة، إذا نظرنا إلى سلسلة القرارات والأفعال المتخذة، نكتشف أنها تشكل نمطًا واضحًا لم يكن مكتوبًا من البداية، إلا أن له دور محوري في تحقيق “الاستراتيجية الفعلية” للمنظمة.

هذا النوع من الاستراتيجيات لا يتنافى مع مبادئ الحوكمة، بل هو جزء طبيعي من عمل أي منظمة تعمل في بيئة متغيرة، خاصة في: المنظمات الناشئة التي تتلمس آفاق عملها والفرص المتوافقة مع إمكانيتها، والمشاريع الابتكارية التي من طبيعتها العمل بالأسلوب الرشيق المبني على التجربة والاختبار والتعلم بشكل متكرر حتى تحقيق النجاح، والقطاعات الخاضعة لتحولات سريعة (تقنية، تنظيمية، تمويلية).

والشكل التالي يصف نموذج الاستراتيجية المبنية على الواقع الفعلي بين المخطط والمتحقق فعليًا:

شكل (1): نموذج منتزبرغ في الاستراتيجيات

ثالثًا: الاستراتيجية المظلية بين المركزية والتعلم:

من بين الأنماط التي يذكرها منتزبرغ، تبرز الاستراتيجية المظلّية (Umbrella Strategy) كنموذج وسطي مهم، يمكن أن يكون مدخلًا متوازنًا بين المدرسة التقليدية والمدرسة التعلمية في الاستراتيجية.

1- ما هي الاستراتيجية المظلّية؟

في الاستراتيجية المظلّية:

  • مجلس الإدارة (أو القيادة العليا) لا يكتب كل التفاصيل، بل يحدد الإطار العام: الغاية، الاتجاهات الكبرى، والمجالات ذات الأولوية، وحدود المخاطر المقبولة، والخطوط الحمراء.
  • ثم يترك تفاصيل الاستراتيجية للإدارة التنفيذية والفِرق الميدانية لتتكوّن من خلال: التجربة، والتعلم، والتفاعل مع الواقع.

بمعنى أن المجلس يصنع “المظلّة”، والإدارة التنفيذية تصنع “الاستراتيجية تحت هذه المظلّة”.

2- الاستراتيجية المظلّية بين المخططة والناشئة:

يمكن النظر إلى الاستراتيجية المظلّية بين المخططة والناشئة، من خلال محورين رئيسيين:

  • محور المركزية:

الاستراتيجية المخططة: تنتج مركزية عالية في المجلس، أما الاستراتيجية الناشئة: فتوفر مرونة عالية في الميدان، في حين أن الاستراتيجية المظلّية: تجعل المجلس يضبط الاتجاه والحدود، ويكون التنفيذ والتجريب والتعديل بيد الإدارة التنفيذية.

  • محور التعلم الاستراتيجي:

المخططة: يكون التعلم فيها قبل انطلاق الخطة (في مرحلة التحليل)، وبعدها يصبح التنفيذ إغلاقًا للخطة، أما الناشئة: يحدث التعلم فيها أثناء الطريق، من التجربة والخطأ، في حين أن المظلّية: يحدد المجلس ما لا يجوز تجاوزه، ويسمح بالتعلم الاستراتيجي من أرض الواقع، ثم تعود الدروس إلى المجلس على شكل تعديلات أو تعزيزات للاستراتيجية العامة.

بهذا المعنى يمكننا القول بأن الاستراتيجية المظلّية ليست تنازلًا عن دور المجلس، بل إعادةً لتفعيل دوره الاستراتيجي؛ فالمجلس يمسك البوصلة، والإدارة التنفيذية تتولى رسم الطريق في ضوء هذه البوصلة، وكممارسة في الميدان لا نستطيع تحديد حدود فاصلة في الاستراتيجيات المظلية بين المركزية والتعلم الاستراتيجي، والشكل التالي يوضح المساحة التي تشغلها الاستراتيجية المظلية بين الاستراتيجيات المخططة والناشئة.

شكل (2): الاستراتيجية المظلية بين التحكم والتعلم الاستراتيجي


3- خيارات مجلس الإدارة عند خروج الإدارة التنفيذية عن حدود المظلّة

في نموذج الاستراتيجية المظلّية، يضع المجلس الإطار العام والحدود التي يجب أن تعمل الإدارة التنفيذية تحتها، لكن منتزبرغ أشار إلى أن خروج الإدارة التنفيذية عن هذا الإطار أمر طبيعي ومتوقع، لأن التعلم يحدث في الميدان، ولأن بعض الفرص أو الضغوط قد تدفع الفرق التنفيذية للمغامرة خارج حدود المظلّة، وعندما يحدث هذا الأمر فأمام المجلس ثلاث خيارات رئيسية:

  1. إيقاف الاتجاه (Stop it): إذا كان الخروج يحمل مخاطر عالية أو يتعارض مع الغاية، يوقف المجلس هذا المسار ويعيد العمل إلى داخل الحدود الأصلية للمظلّة.
  2. تجاهله مؤقتًا لمراقبة نتائجه (Let it run): عندما لا يشكل الخروج تهديدًا مباشرًا، قد يفضّل المجلس تركه يستمر لفترة قصيرة لمعرفة ما إذا كان يحمل قيمة أو يفتح بابًا لتعلم جديد.
  3. التكيف معه وتوسيع المظلّة (Adapt / Expand the umbrella): إذا أثبتت التجربة أن الاتجاه الجديد فعّال ومفيد، يقوم المجلس بتعديل الإطار العام ليشمل هذا المسار، فيتحول من مبادرة ناشئة إلى جزء معتمد من إطار الاستراتيجية المظلية.

بهذه الخيارات يحافظ المجلس على دوره التوجيهي دون أن يعيق التعلم التنفيذي، ويحقق توازنًا عمليًا بين الانضباط والمرونة.

4- ما هي أدوار المجلس والرئيس التنفيذي وفقًا لهذا التصور؟

يكون دور مجلس الإدارة في النموذج المظلّي أقرب إلى:

  • تحديد الغاية (Purpose)، والاتجاه العام.
  • إقرار الإطار الاستراتيجي لا الخطة التفصيلية.
  • ضبط شهية المخاطر وحدود المغامرة المقبولة.
  • وضع أسئلة رقابية ذكية بدلًا من الدخول في تفاصيل تشغيلية، على سبيل المثال: ما هي المؤشرات الغائية والمالية الكبرى التي لا تعيق التعلم الاستراتيجي؟ هل ما زالت برامجنا تخدم غايتنا الأصلية؟ هل توسعنا في مجالات لا تخدم غرض المنظمة؟ كيف نتعامل مع الأنماط الجديدة في العمل؟

دور الإدارة التنفيذية في المقابل يمكن إجماله في النقاط الآتية:

  • ترجمة الإطار العام إلى برامج ومبادرات عملية.
  • خوض التجارب واختبار الفرضيات في الواقع.
  • التقاط الفرص والتحديات الجديدة.
  • رفع ما يتكوّن من أنماط ناجحة إلى المجلس ليُعاد إدماجها في الإطار الاستراتيجي.

بهذا المعنى، لا حاجة لمناقشة السؤال المتكرر “هل يحق للرئيس التنفيذي تعديل الاستراتيجية دون الرجوع للمجلس؟”، وإنما سنناقش بعمق أكثر ” كيف نصمم العلاقة بين المجلس والإدارة التنفيذية كي تسمح بالتعلم والتجريب، دون أن نفقد الانضباط الحوكمي؟”.

إن فهم هذا التوازن يحتاج إلى إدراكٍ أعمق لمشكلة التخطيط الاستراتيجي التقليدي كما يصفها منتزبرغ في موضع آخر([2])، إذ يرى أن كثيرًا من التوترات بين المجلس والإدارة تنشأ من ثلاثة أوهام شائعة في ممارسة التخطيط:

الأول: وهم القدرة على التنبؤ؛ إذ يُبنى كثير من التخطيط على فرضية أن المستقبل يمكن ضبطه بنماذج وخطط مفصَّلة، بينما تتكوّن الاستراتيجيات الفعلية في بيئة لا يمكن التنبؤ بها على هذا النحو.

الثاني: وهم الانفصال عن الواقع؛ حين يفترض المخططون أن بوسعهم صياغة الاستراتيجية من غرفة الاجتماعات، بمعزل عن الخبرات اليومية والتجارب الميدانية التي تَصنع في الحقيقة الجزءَ الأكبر من الاستراتيجية الفعلية.

الثالث: وهم الصياغة الميكانيكية؛ أي الاعتقاد بأن الاستراتيجية عملية هندسية يمكن إنتاجها عبر أدوات ونماذج جاهزة، في حين أن جوهرها يتكوّن من البصيرة، والتجريب، والتعلم، والاستجابة للتغير.

ومن هنا، فإن دور المجلس لا يكتمل بالتحكم في كل تفاصيل التخطيط، بل بإتاحة مساحة تسمح لهذه الديناميكيات بأن تعمل، مع الحفاظ على وضوح الغاية وحدود المخاطر. إن إدراك هذه الأوهام يفسّر لماذا لا تكفي المظلّة وحدها، ولماذا تظهر في الواقع أنماط أخرى من تكوّن الاستراتيجية تستحق التأمل، وهي ما سنشير إليه في الفقرة التالية.

رابعًا: أنماط أخرى للاستراتيجيات:

إضافةً إلى الاستراتيجية المخططة والناشئة والمظلّية، يقدّم منتزبرغ أنماطًا أخرى من الاستراتيجيات، يمكن الاستفادة منها لفهم ديناميكيات العلاقة بين المجلس والإدارة التنفيذية في مراحل أو أوضاع تنظيمية مختلفة، وفيما يلي ثلاثة أنماط لها حضور واضح في واقع المنظمات، سنستعرضها بإيجاز من حيث مفهومها وحالات استخدامها المناسبة:

1- الاستراتيجية الريادية (Entrepreneurial Strategy):

هي الاستراتيجية التي تنشأ من “رؤية قائد واحد” – غالبًا المؤسس أو الرئيس التنفيذي – بحيث تُبنى القرارات الاستراتيجية اعتمادًا على حدسه وخبرته المباشرة، لا على تحليل جماعي أو أطر مؤسسية مكتملة، ويكون دور المجلس هنا أقرب إلى “التفويض مع المتابعة”، وليس قيادة التخطيط.

تكون الريادية مقبولة – بل طبيعية – في حالات محددة، منها:

  • مرحلة التأسيس: عندما تكون المنظمة ناشئة والمجلس نفسه في طور التشكل.
  • قلة المعلومات والبنية المؤسسية: حيث يصعب بناء خطة تفصيلية.
  • وجود قائد ذو بصيرة واضحة: يملك المعرفة بالسوق أو المجتمع المستهدف.

في سياق القطاع غير الربحي: يظهر هذا النمط في الجمعيات الناشئة، والمبادرات المجتمعية، أو الفِرق التي لم تتبلور هياكلها الحوكميّة بعد؛ وهنا ليس المطلوب القضاء على الريادية، بل تقييدها بحدود بسيطة حتى يكتمل البناء المؤسسي ويبدأ المجلس في تولّي دوره الكامل.

2- الاستراتيجية المنفصلة (Unconnected Strategy):

هي الاستراتيجية التي تتكون داخل وحدة أو فريق متخصص بعيدًا عن المجلس والإدارة العليا، ثم تتكشف لاحقًا على أنها نمط ذو أثر استراتيجي. وقد تنشأ هذه الاستراتيجيات نتيجة ظروف خاصة أو فرص طارئة، ويمكن أن تكون الاستراتيجية المنفصلة خيارًا عمليًا في حالتين رئيسيتين:

  1. المنظمات البيروقراطية الكبيرة: عندما تريد اختبار مجال جديد أو سوق جديدة بشكل رشيق من خلال وحدة صغيرة دون تحميل المنظمة كل المخاطر.
  2. الإدارات الفنية المتخصصة: مثل وحدات الابتكار، والتطوع، والبحث والتطوير، والمحتوى العلمي، والمبادرات النوعية.

في سياق القطاع غير الربحي: تظهر الاستراتيجية المنفصلة بوضوح عندما تقوم جمعية كبيرة بتجربة برنامج جديد عبر إدارة محددة، أو عند بدء مشروع ابتكاري صغير لا ترغب الجمعية في تحويله إلى سياسة عامة قبل اختباره، وهنا يكون دور المجلس هو استيعاب الأنماط الناجحة ورفعها إلى مستوى الاستراتيجية، وإيقاف الأنماط غير الملائمة قبل توسعها.

3- الاستراتيجيات المفروضة (Imposed Strategies):

هي الاستراتيجيات التي تُفرض على المنظمة من جهة خارجية لها سلطة أو تأثير كبير، كأن يَفرض المنظّم، أو الممول، أو الجهة الحكومية توجهًا معينًا لا يمكن تجاوزه.

يحدث هذا النمط في حالات مثل:

  • اشتراطات الجهات المانحة الكبرى على الجمعيات اتباع توجه أو نموذج معين.
  • تنظيم جديد يُفرض على الشركات أو الجمعيات بتغيير نمط عملها.
  • اعتماد منهجيات محددة في قياس الأثر أو في الحوكمة كشرط للتمويل أو الترخيص.

كيف تتصرف الجمعية أو المؤسسة الأهلية في هذا النمط؟

ليس أمام المجلس هنا مساحة واسعة للاختيار، لكن يمكنه تبنّي أحد مسارين:

  1. الاستجابة الذكية: تحويل الفَرض الخارجي إلى فرصة، وإعادة صياغة الاستراتيجية الداخلية بما يجعل المتطلبات المفروضة متسقة مع غاية الجمعية.
  2. التكيّف التدريجي: تطبيق المتطلبات المفروضة دون تعطيل التعلم الداخلي، بحيث تبقى الجمعية محافظة على هويتها وتتكيف مع الشكل المفروض.

ختامًا،

إن النقاش حول الاستراتيجية بين المجلس والإدارة التنفيذية لا ينحصر في ثنائية «المخططة» و«الناشئة»، بل يتجاوزها إلى فهم أوسع للسياقات التي تتشكل فيها الاستراتيجية فعليًا، فالمظلّة تمثّل نموذجًا مرنًا يوازن بين توجيه ورقابة المجلس ومساحة التعلم لدى التنفيذيين، لكن الواقع العملي يكشف عن أنماط أخرى كالريادية في المنظمات الناشئة، والمنفصلة في المنظمات الكبيرة، والمفروضة عندما تتدخل الجهات المانحة، وكلها ليست خروجًا عن الحوكمة، بل انعكاس طبيعي لمراحل تكوّن المنظمات وظروفها المتغيرة.

هذه المقالة لا تهدف إلى تقليل دور مجلس الإدارة في بناء الاستراتيجية، بل إلى تعزيزه من خلال نقله من مستوى “كتابة الخطة” إلى مستوى “رسم المظلّة وحراسة الغاية”، ومن خلال الاعتراف بأن كثيرًا من الاستراتيجيات الحقيقية تتكوّن في الميدان عبر التعلم الاستراتيجي للإدارة التنفيذية من خلال التجربة والخطأ ومواجهة التحديات، ومن ثمّ فإن مهمة المجلس تكمن في القدرة على استيعاب هذه الأنماط، وضبطها، وتوجيهها وفقًا لظروفها، بحيث تبقى الغاية واضحة، وتبقى مرونة التعلم محفوظة.

هذه الرؤية المتوازنة هي ما تحتاجه المنظمات غير الربحية اليوم لتبنّي استراتيجيات واقعية تحترم الحوكمة، وتستفيد من التعلم الاستراتيجي، وتستجيب لبيئة متسارعة التحول، وهذا -في تقديري- هو جوهر ما يمكن أن نستلهمه من منتزبرغ في بيئتنا اليوم.

[1]() Mintzberg, H., & Waters, J. A. (1985). Of strategies, deliberate and emergent. Strategic Management Journal, 6(3), 257–272.
[2]() Mintzberg, H. (1994). The Fall and Rise of Strategic Planning. Harvard Business Review, Jan–Feb.

كلمات ذات صلة: