لا تزال مسألة زكاة الأوقاف تثير نقاشًا قديمًا متجددًا بين الفقهاء والمهتمّين، كم لا يزال الالتباس قائمًا لدى كثير من الواقفين والنظار، بل وحتى لدى إدارات الشركات المملوكة للأوقاف؛ ويعود سبب ذلك إلى اختلاف الحكم باختلاف نوع الوقف: أهوَ وقفٌ خيريٌ بحت، أم وقفٌ ذريٌ خاص، أم مشتركٌ يجمع بين الاثنين؟
فقهًا؛ تبدو الصورة واضحة إلى حدٍّ كبير؛ فالوقف الخيري لا تجب فيه الزكاة، لكونه مالًا محبوسًا لله تعالى لا يملكه أحد بعينه، أما إذا كان الوقف على أشخاص محددين كالذرية مثلًا، فإن الزكاة تجب على من بلغت حصتُه النصاب الشرعي، وهذا ما أفتى به سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (مجموع فتاواه 4/19).
أمّا من الناحية النظامية في المملكة، فقد صدرت “اللائحة التنفيذية لجباية الزكاة”، وأشارت إلى بيان المكلّف بأداء الزكاة، وما يعنينا هنا من المكلفين هو الكيان التجاري المملوك للوقف بنسبة 100% -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر-، إذ يُمنح هذا “المكلَّف” رقمًا مميزًا للتسجيل لدى الهيئة عادةً، أما الأوقاف التي لا تمتلك شركات أو كيانات تجارية، فلا تُمنح رقمًا مميزًا، وبالتالي لا تُعد مكلَّفةً بالزكاة نظامًا؛ لعدم امتلاكها كيانات تجارية.
وعند امتلاك الوقف لكيان تجاري، فإن الإعفاء من الزكاة يكون مشروطًا بألا يزيد ما يُصرف سنويًا على “المعينين” عن 10%. والمقصود بالمعينين: كل ما يُصرف على الواقف، أو ذريته، أو أشخاص معينين بأسمائهم، أو أوصافهم، بما يخرجهم عن دائرة البر العام. وهنا تتضح القاعدة النظامية على النحو التالي:
- في الوقف الخيري: يُعفى الكيان من الزكاة.
- في الوقف الذري: لا إعفاء، ويطالب الكيان بالزكاة كغيره من المكلفين.
- في الوقف المشترك: يكون الإعفاء قائمًا فقط إذا لم يتجاوز الصرف على المعينين نسبة 10%.
وللتبسيط يمكن تلخيص الصورة في الآتي:
- إذا لم يكن للوقف كيان تجاري مملوك بالكامل له؛ فإن:
- الوقف الخيري: معفى من الزكاة أصلًا على العين والريع إذا صرف بالكامل للبر العام.
- الوقف المختلط: تجب الزكاة شرعا -وفقا للفتوى المشار إليها أعلاه-، على المستفيدين المعينين، كلٌ بحسب نصيبه؛ إذا بلغ نصابًا، وتكون زكاتهم كزكاة الأفراد، وليس من خلال هيئة الزكاة والضريبة والجمارك.
- أما إذا كان للوقف كيان تجاري مملوك له؛ فإن الحكم يكون كالتالي:
- إذا لم تتجاوز نسبة الصرف على المعينين 10% من إجمالي الإيرادات، يُعفى الكيان من الزكاة.
- إذا تجاوزت نسبة الصرف 10%، يصبح الوقف مطالبًا بالزكاة كاملة كأي مكلف آخر.
وختامًا، يجدر التنبيه إلى أنّ الإعفاء من الزكاة لا يُمنح بشكل دائم، بل يجب على المكلف المملوك لوقف أن يتقدم سنويًا بطلب رسمي لعدم الخضوع، وذلك عبر النموذج المعتمد لدى هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، كما أن من الحكمة أن يدرس النظار والواقفون أثر قراراتهم في إنشاء الوقف؛ لأن تخصيص صرف نسبة معينة قد يفتح الباب لالتزامات مالية مستمرة، لا تقتصر على الزكاة وحدها، وكذلك النظر في مدى حاجة الوقف في تأسيس شركات تجارية من عدمه.
وإن استشارة المختصين في الجوانب الشرعية والمالية والنظامية، عند تأسيس الوقف، أو في أي مرحلة من مراحل سيره، من شأنه أن يعزز سلامة القرار الوقفي، ويسهم في الحفاظ على استدامته بإذن الله تعالى.
