يُثار في المجالس واللقاءات سؤالٌ متكرر: هل تٌعفى الأوقاف من ضريبة القيمة المضافة بحكم طبيعتها غير الربحية؟
الجواب على ذلك ليست بـ “نعم” أو “لا” مطلقًا، إذ تتوقف الإجابة على جوهر نشاط الكيان نفسه، لا بصفته “وقفاً”.
وفي هذه الأسطر، أسلّط الضوء على هذا الجانب، من الناحية القانونية، بما يصحح بعض المفاهيم الخاطئة، حول هذا الموضوع المتداول.
ابتداءً، يحسن بيان المقصود بـ “النشاط الاقتصادي” في نظام ضريبة القيمة المضافة ولائحته التنفيذية، وفقًا لما عرّفته الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بأنه: “النشاط الذي يُمارَس بصورة مستمرة ومنتظمة، ويشمل النشاط التجاري، أو الصناعي، أو المهني، أو الخدمي، أو أي استعمال ممتلكات مادية أو غير مادية وأي نشاط مماثل آخر”.
كما نصت اللائحة التنفيذية لنظام ضريبة القيمة المضافة في مادتها الثانية على تعريف الشخص الخاضع للضريبة بأنه: “الشخص الذي يمارس نشاط اقتصادي مستقلا بقصد تحقيق الدخل، وتم تسجيله لأغراض ضريبة القيمة المضافة في المملكة، أو اعتبر ملزما بالتسجيل لأغراض ضريبة القيمة المضافة فيها، وفقا للنظام وهذه اللائحة”، وعليه فإن الضريبة تُفرض على كل توريدٍ للسلع أو الخدمات التي يقوم بها شخص خاضع للضريبة في المملكة في سياق مزاولته لنشاط اقتصادي.
ومما سبق يتضح أن معيار الخضوع للضريبة ليس نوع الكيان (وقف، جمعية، شركة، فرد) بل طبيعة النشاط وعائده الاقتصادي، وبناءً على ذلك فإن نوع النشاط يحدد المعاملة الضريبية على النحو الآتي:
- الأنشطة الخيرية البحتة: مثل المدارس والمراكز التي تقدم خدمات مجانية بالكامل، هذه لا تُعدّ توريدات خاضعة للضريبة؛ لأنها بلا مقابل، ويعامَل الوقف في هذه الحالة على أنه المستهلك النهائي الذي يدفع الضريبة عند شراء السلع والخدمات من الموردين، لكنه غير مُلزم بتحصيلها من المستفيدين.
- الأنشطة الاستثمارية الاقتصادية: مثل تأجير العقارات، وتشغيل المحلات، وتقديم خدمات بمقابل مالي، هذه أنشطة تجارية صريحة، ويُعد الوقف الذي يمارسها خاضعًا للضريبة متى تجاوزت إيراداته السنوية حد التسجيل الإلزامي البالغ حاليا: 375.000 ريال، تمامًا كأي منشأة تجارية أخرى.
- استثمار الوقف في العقارات السكنية أو الأسهم: إن عوائد الوقف من العقارات السكنية، أو الأسهم (أرباح التوزيعات أو مكاسب بيع الأسهم)، لا تُعد نشاطًا اقتصاديًّا خاضعًا للضريبة، بل هي من الأنشطة المعفاة، وبالتالي: فإن الوقف الذي يقتصر نشاطه على الاستثمار في تأجير العقارات السكنية، وفي الاستثمار بالأسهم غير ملزم بالتسجيل في ضريبة القيمة المضافة، حتى لو تجاوزت عوائده 375,000 ريال.
أما فيما يتعلق بالاسترداد الضريبي؛ فقد خصصَت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك آليةً خاصةً لاسترداد ضريبة القيمة المضافة، للجهات غير الربحية -ومنها الأوقاف- وتشترط لذلك:
- أن يكون الوقف مسجلًا رسميًا.
- أن يتم التسجيل في البوابة الإلكترونية الخاصة بالأشخاص المؤهلين للاسترداد.
- أن يقتصر نشاط الوقف على الأعمال الخيرية البحتة، دون مزاولة أي أنشطة اقتصادية خاضعة للضريبة.
- تقديم طلبات الاسترداد مدعّمة بالمستندات في المواعيد المحددة.
وإيضاحا للتفصيل السابق، نورد الأمثلة الآتية:
- الوقف الذي ليس له إيرادات تجارية: مثل المدارس أو المراكز الخيرية التي تقدم خدمات مجانية تمامًا؛ فهذا خارج نطاق الضريبة، ومؤهل للاسترداد الضريبي على مشترياته، متى ما تحققت الشروط المذكورة آنفًا.
- الوقف ذو الإيرادات التجارية (أقل من 375,000 ريال سنويًا): مثل عقار موقوف يؤجر بمبلغ بسيط؛ فهذا الوقف غير ملزم بالتسجيل الإلزامي في ضريبة القيمة المضافة، واستخراج الرقم المميز، لكن يمكنه التسجيل اختياريًّا للاستفادة من خصم الضريبة على المدخلات.
- الوقف ذو الإيرادات التجارية (التي تتجاوز 375,000 ريال سنويًا): مثل أن يملك مجمّعًا تجاريًّا بعوائد مرتفعة؛ فهذا ملزم بالتسجيل وخاضع للضريبة على الإيرادات من النشاط الاقتصادي.
- الوقف المستثمِر في الأسهم فقط: فعوائده الاستثمارية ليست خاضعة للضريبة؛ لأنها تُعدُّ تعاملًا ماليًّا معفى، وبالتالي لا يلزم التسجيل بسببها.
خلاصة الأمر:
أنّ ضريبة القيمة المضافة لا تفرّق بين الوقف أو الشركة أو الفرد الطبيعي عند النظر إلى طبيعة النشاط، فالمعيار هو جوهر العمل وعائده الاقتصادي، فمتى ما مارس الوقف نشاطًا اقتصاديًّا بمقابل، دخل في نطاق النظام الضريبي، ووجب عليه تحصيل الضريبة وتقديم الإقرارات الدورية اللازمة لهذا الشأن، تماما كما الشركات التجارية والأفراد الطبيعيين. وعندما يزاول الوقف نشاطًا خيريًا بحتًا بلا مقابل، فهو خارج نطاق الضريبية، غير أنه يتحمّلها هنا كمستهلك نهائي، مع إمكانية استرداده لها متى ما كان مؤهلًا، وعندما يستثمر الوقف في الأسهم فإن عوائده ليست خاضعة للضريبة، كما هو الوضع مع الشركات، أو الأفراد عند استثمارهم المالية في الأسهم.
وكل هذا مختلف في تفصيله وتنظيمه عن ضريبة التصرفات العقارية التي قد تلتبس على البعض، ولها نظام مستقلّ بها، بيّنتُه في مقالٍ آخر بعنوان: “الأوقاف وضريبة التصرفات العقارية متى تُعفى ومتى تُفرض؟”، رابط المقال: https://estithmar.org.sa/daribat-alawqaf/
وأخيراً، فإن من الحكمة والتدبير السليم أن يتأكد القائمون على الأوقاف من وضعهم النظامي بدقة، حتى لا يتعرض الوقف لمخالفاتٍ أو غرامات، وفي الوقت نفسه لا يفوّت أيضا فرصة الاستفادة من الاسترداد الضريبي المستحق له.
