مقالات

المخاطر التي تصنع الفرق في القطاع غير الربحي

«رواسي» سلسلة مقالات شهرية يستعرض فيها د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس، الرئيس التنفيذي لشركة استثمار المستقبل القابضة، رؤيته حول أبرز التحديات والحلول والفرص في قطاع الأوقاف والقطاع غير الربحي، مستهلًا أولى مقالاته بعنوان «المخاطر التي تصنع الفرق في القطاع غير الربحي».

نشر بتاريخ: 14 يوليو، 2026م

مدة القراءة:6 دقائق

د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس

الرئيس التنفيذي

الكاتب

د. إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس

الرئيس التنفيذي

محتويات المقال

المخاطر التي تصنع الفرق في القطاع غير الربحي

 

الواجب على المسؤول في الجهة المانحة أن يبذل وُسْعَه في تحري المشاريع الأكثر نفعًا للمستفيد، والأعظم أجرًا للواقف والمتبرع، وأن يتأكد من سلامة الإجراءات، ومن قدرة الجهة المنفِّذة على الالتزام بتنفيذ ما وَعَدت به، كما ينبغي للجهة المانحة أن تُعنَى بإدارة المخاطر، لتتصرف بوعي عند حدوث المشكلات، وتتجنب المخاطر أو تخففها؛ حفظًا لأموال المانحين والواقفين.

المشكلة تبدأ حين تتحوّل إدارة المخاطر من وسيلة لفهم المخاطر والتحكم فيها إلى ذريعة لرفض كل ما هو جديد أو غير مألوف، لقد أصبحت بعض الجهات المانحة تتعامل مع “إدارة المخاطر” باعتبارها درعًا واقيًا من المجهول، فتحصر تمويلها في المشاريع المضمونة قصيرة الأمد، القابلة للقياس السريع، وتتجنب كل مبادرة غير مألوفة أو فيها احتمال للفشل أو تأخير في النتائج.

وهنا يبدأ القطاع بالانكماش، وتفْقِد الجهات الوسيطة قدرتها على التعلّم والابتكار، أو تضعف شهيتها لذلك بسبب صعوبة تمويل هذا النوع من المبادرات، فالابتكار بطبيعته ينطوي على قدر من عدم اليقين، والمبادرات النوعية التي تغيّر الواقع لا يمكن أن تكون مضمونة النتائج، ومع ذلك فإنها هي التي تصنع التحولات الكبرى في مسيرة القطاع.

المبالغة في الحذر: أمانٌ زائف

إدارة المخاطر في معناها الأصلي كما توردها المعايير الدولية مثل (ISO 31000) هي “تحديد كمية ونوع المخاطر التي يمكن تقبّلها لتحقيق الأهداف”، أما سياسة “لا للمخاطر” فليست سوى اختزال ضيّق لمفهوم إدارة المخاطر، وهي سياسة ستوصلنا في نهاية المطاف إلى قولبة المبادرات المجتمعية وإصابتها بالجمود، وتحرم القطاع من اكتشاف الفرص الجديدة، وتحول العمل الخيري إلى نشاط تشغيلي روتيني يعجز عن التطور أو إنتاج المعرفة.

قبل سنوات التقينا مع مسؤولي جهة مانحة لاستعراض مشروع علمي تطبيقي ابتكاري، فبادرني أحدهم بسؤال: ماذا لو وصلتم إلى طريق مسدود! ألن نكون قد دفعنا الأموال دون أن نصل إلى نتيجة؟ قلت له: نحن أيضًا سنبذل ما هو أغلى من المال في هذا المشروع، لكننا على يقين أننا إذا وصلنا إلى طريق مسدود؛ فهي نتيجة تستحق ما أُنفق في سبيلها من وقت وجهد ومال! فمن المستقر في العلوم التجريبية أن سلوك طريق خاطئ هو بحد ذاته نجاح في اكتشاف طريق مسدود، وفي المختبرات ومعامل الابتكار تُجرى التجارب للحصول على نتائج إيجابية أو سلبية، ولا يُشترَط لتقييم أثرها نجاح نسبة محددة من التجارب.

وبتوفيق من الله تمكنا من الوصول إلى نتيجة مرضية في ذلك المشروع مع أننا كنا نديره بمنهجية الدورات التكرارية (Iterative) والتي نطور فيها المنتج عبر سلسلة من الدورات المتكررة، دون أن نكون على يقين من شكل المنتج وفاعليته في نهاية المشروع، والشكر موصول لهذه الجهة المانحة التي تبنَّت المشروع ووثقت بالفريق واحتملت قبول مستوى عدم اليقين.

دعم الجهات الناشئة: مخاطرة لا بد منها

في كثير من الأحيان، تكون الجهات الناشئة والصغيرة عاجزة عن بناء منظومة لإدارة المخاطر، فضلاً عن قدرتها على تحديد المخاطر وإدارتها، كما أن ضعف بنيتها الإدارية والمالية يجعل من دعمها مخاطرة حقيقية، ومع ذلك فإن تجاهلها بالكامل ليس حلًا؛ فالتخلي عن هذه الجهات لأنها “ضعيفة” يعني أننا نكرّس ضعفها، ونحرمها من فرص النمو والتطور.

ومقتضى الحكمة أن تتعامل الجهة المانحة مع هذه المخاطر باعتبارها فرصة للتعلّم والتنمية، وأن تقدّم دعمها للجهات الناشئة بطريقة تدريجية، أو مشروطة بالتطوير المؤسسي، أو عبر برامج احتضان وتمكين، بحيث يتحول الخطر إلى استثمار في بناء القدرات، فمسؤولية الجهات المانحة هنا تتجاوز حماية المال، لتمتد إلى رعاية نشأة الجهات الوسيطة، والإسهام في بناء شركاء المستقبل.

بعض المخاطر شر لابد منه

هناك جهات أخرى تعمل في ظروف صعبة، كالمؤسسات الإغاثية العاملة في مناطق النزاع أو البيئات غير المستقرة سياسيًا، حيث قد يتعذّر الوصول إلى المستفيدين أو يتأخر تنفيذ البرامج، وهذه المخاطر لا يمكن إلغاؤها بالكامل، لكن يمكن إدارتها بقدر عالٍ من الشفافية، والاتفاق المسبق بين المانح والمنفّذ على آليات التعامل معها عند وقوعها، والواجب الإنساني والمقصد الشرعي في مثل هذه البيئات يقتضي قدرًا من الشجاعة الأخلاقية لدى المانح، ليُدرك أن بعض المخاطر تمثّل ثمنًا لا بد من دفعه للوصول إلى الفئات الأشد ضعفًا والأبعد عن متناول الدعم.

الأنشطة التي لا يُقاس أثرها

ليست كل الأنشطة في القطاع الخيري قابلة للقياس المباشر؛ فالمشاريع التي تهدف إلى غرس القيم، أو بناء الوعي، أو ترسيخ ثقافة معينة، يتعذر قياسها بالأرقام، ولا يمكن أن تتضح نتائجها بعد ستة أشهر أو حتى سنة، وإذا اشترط المانحون للتمويل مؤشرات أثر فورية، فستختفي هذه الأنشطة من الساحة شيئًا فشيئًا؛ لأنها ببساطة لا تستطيع إثبات أثرها السريع، والمطلوب هنا أن يكون لدى المانح فهم أعمق لطبيعة الأثر غير الملموس، وأن يبني شراكة استراتيجية مع الجهة الوسيطة تقوم على الثقة وطول النفس، مع تبنّي أدوات تقييم نوعية تكمّل المؤشرات الكمية المعتادة، فالقيمة الأخلاقية والمعرفية تحتاج إلى وقت ومساحة كي تزهر، ولا يمكن إخضاعها بالكامل لمعايير إنتاجية جامدة.

المانح المستثمر في الأثر

المانح الواعي لا يتعامل مع عطائه بعقلية المحاسب الذي يخشى الخسارة، فهو يدرك أن المشاريع الخيرية – كأعماله التجارية – ليست كلها في مستوى واحد من المخاطر، وأن إدارة المحفظة الخيرية تتطلب تنويعًا متوازنًا ليحقق الاستدامة ويصنع الأثر:

  • جزء كبير يُوجَّه للمشاريع الآمنة والمستقرة التي تعزز الثقة وتحافظ على الاستدامة.
  • وجزء أصغر يُخصَّص للمشاريع التجريبية والمبتكرة ذات الأثر الاجتماعي المرتفع.

الشراكة في إدارة المخاطر

في نهاية المطاف ما نأمله من الجهات المانحة أن تنظر إلى “إدارة المخاطر” على أنها أداةً للحوار بين المانح والمنفّذ:

  • كيف نقيس مستوى المخاطر؟
  • ما الذي يمكن احتماله؟
  • ما المكاسب المتوقعة في مقابل هذا الخطر؟

وحين يطمئن المنفِّذ إلى وعي المانح واستيعابه لمفهوم إدارة المخاطر، تتحوّل هذه الإدارة إلى مساحة ثقة مشتركة بين الطرفين، لا جدار خوف يضعف الشفافية، ويعطل التعلم والابتكار، ويحد من ظهور المشاريع النوعية.

ففي القطاع غير الربحي، تكمن الحكمة في إدارة المخاطر بوعي يوازن بين حفظ الموارد وصناعة الأثر، فالخوف المفرط قد يحمي المال مؤقتًا، لكنه قد يحرم المجتمع من مبادرات نوعية تصنع التحولات الكبرى. وما يحتاجه القطاع اليوم هو مانحون يمتلكون الثقة، والحكمة في التقدير، والإيمان بأن بعض المخاطر هي فرصة ينبغي استثمارها لصناعة أثر أبقى وأعمق، وليست مجرد تهديدات ينبغي تجنبها.