الكاتب
مدير الاستشارات النوعية في شركة استثمار المستقبل
محتويات المقال
الوصية في التركة: آثارها على القسمة والتصرف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
في أحد الأيام كنا في اجتماع مع ممثلٍ للورثة، وأخذ يسرد قصة التركة حتى ذكر أن وفاة مورثهم كانت قبل أكثر من عشر سنوات، وهي مدة لا تُعد غريبة في بعض التركات التي يطول أمدها وتتداخل شؤونها، ولم يكن بين الورثة -بحمد الله- خلافٌ يُذكر، بل كانوا قد اقتسموا التركة فيما بينهم دون الرجوع للمحكمة؛ إذ ما الحاجة إلى المحكمة ما دام الاتفاق قائمًا، والخصومة منتفية؟
هنا برز محور النقاش الأهم في ذلك الاجتماع؛ إذ لم تكن المسألة مجرد تركة اتفق الورثة على قسمتها، وإنما كان فيها عنصر آخر أعمق أثرًا وأبعد غورًا، وهو وجود وصية بين الورثة، ومن هذه النقطة يتبين أن اتفاق الورثة -على جلالة قدره- لا يكفي دائمًا لتجاوز جميع الإشكالات، ولا يغني في كل حالٍ عن بعض الإجراءات؛ لأن الوصية قد تنقل المسألة من بساطة القسمة إلى دقة التحرير، ومن مجرد التراضي إلى الحاجة إلى نظرٍ أعمق وإجراءٍ أضبط، حتى يتعين موضع الحق، ويُفرز نصيب الوصية قبل أن تستقر القسمة ويمضي أثرها.
ومن هنا تأتي هذه المقالة لتسلط الضوء على علاقة الوصية بالتركة، وما ينشأ عن هذا الارتباط من آثارٍ شرعية، واعتباراتٍ قانونية، تكشف أن الوصية قد تعيد تشكيل الطريق إلى قسمة التركة واستقرار الحقوق فيها.
أولا: أنواع الوصايا:
لفظ الوصية ليس مقصورًا على معنى واحد، بل تتنوع الوصايا باعتبارين مهمين:
الأول: باعتبار الموصى به: فالوصية قد تكون وعظًا ونصحًا، وقد تكون إثباتًا لحقوق الآخرين على الموصي، أو إثباتًا للحقوق التي له على غيره، وقد تكون وصيةً بالتبرع، أو إيصاءً بالولاية على القاصر، أو بتزويج البنات، أو بغير ذلك من التصرفات التي يقصد بها ترتيب بعض الشؤون بعد الوفاة، غير أن هذه المقالة لا تتناول جميع تلك الصور، وإنما ينصرف النظر فيها إلى الوصية بالتبرع، وبخاصة الوصية بالمشاع من التركة؛ لأنها أكثر الصور التي تنشأ عنها التحديات والإشكالات، وقد نصت المادة (169) من نظام الأحوال الشخصية على تعريف الوصية بأنها: “الوصية هي تصرف بمال على وجه التبرع مضاف إلى ما بعد موت الموصي”.
الثاني: باعتبار الموصى له: فتظهر الوصية في ثلاث صور بارزة: الوصية بتبرع لغير معيّن، كأن يوصي الإنسان بصرف شيء من ماله في وجوه البر أو للفقراء ونحوهم من غير تعيين شخصٍ بعينه، والوصية بتبرع لمعيّن كأن يوصي لشخصٍ محدد بمالٍ أو بمنفعة، والوصية بوقف على جهةٍ أو على معيّن، وذلك بأن يجعل ما أوصى به بعد وفاته وقفًا محبّسًا تُصرف غلته بحسب شرطه.
ثانيا: الوصية المالية شريكة الورثة في الملك والقرار:
تظهر علاقة الوصية بالتركة على وجهٍ أدق عند التمييز بين الوصية بالمعيَّن والوصية بالمشاع؛ فإذا تعلقت الوصية بمعيَّن من مال المورث -كأن يوصي بعقارٍ بعينه، أو بمبلغٍ محدد، أو بأسهمٍ معينة- اتجه حقُّ الموصى له إلى ذلك المعيَّن ذاته، سواء أكان الموصى له شخصًا أم جهةً أم وقفًا، وبذلك يتميز محل الوصية عن سائر أموال التركة، ولا يكون صاحبها شريكًا للورثة شركة مشاعة في التركة.
أمّا إذا كانت الوصية بالمشاع -كأن يوصي بثلث ما يخلّفه أو ربعه- فإن حقَّ الموصى له لا يتعلق بعينٍ محددة، بل يثبت في التركة كلها بنسبة نصيبه الموصى به، فيشارك الورثة فيها بهذا القدر، وتصبح الوصية متعلقةً بجميع أموال التركة تعلقًا شائعًا، فلا يتحدد نصيبها في مالٍ معين إلا بعد الحصر والتقييم والفرز، مع التنبيه على أن حق الوصية يثبت بوفاة الموصي لا حين القسمة والفرز، فإذا نمت التركة أو خسرت انعكس ذلك على حق الوصية قبل القسمة والفرز.
والوصية بالمشاع هي الأكثر في الواقع العملي، ومن أبرز صورها في مجتمعنا الوصية بالوقف؛ وذلك بأن يوصي الإنسان بجعل جزء من ماله بعد وفاته وقفًا محبَّسًا، تُصرف غلته في الجهة التي عيَّنها ووفق الشرط الذي قرره، وهذه الصورة تختلف عن الوقف المنجَّز الذي ينشئه الواقف في حياته فينفذ من حينه، كما تختلف عن الوصية بالصدقة التي يقصد بها التبرع بعد الوفاة من غير أن تتضمن معنى التحبيس والتسبيل الذي يميز الوقف.
ومن آثار الوصية بالمشاع أنها لا تُنشئ شراكةً في المال فحسب، بل تُنشئ شراكةً في القرار كذلك؛ لأن القرارات الجوهرية المتعلقة بالتركة إنما ترد على مالٍ مشترك بين الورثة وحصة الوصية، فبيع أصول التركة -مثلًا- ليس تصرفًا في حق الورثة وحدهم، بل في وعاءٍ مالي تتعلق به الوصية أيضًا، ولذلك لا يستقل الورثة بمثل هذه القرارات ما دام نصيب الوصية باقيًا على الشيوع ولم يُفرز بعد، فإذا كانت الوصية وقفًا، فإن ممثلها في هذا المقام هو الناظر، ولا بد من موافقته؛ لأنه ممثل حصة الوصية في المال المشترك، ومع ذلك فإن موافقته لا تكفي وحدها لإمضاء البيع؛ لأن وجود حصة وصية في التركة يفرض على القسمة موافقة المحكمة كما سيأتي.
ثالثا: وجوب الفرز القضائي عند وجود حصة وصية:
في إحدى التركات كان من ضمن الورثة قُصَّر لم تكتمل أهليتهم وقت القسمة، وقد أوصى المورث بوقف جزء من ماله، ومع ذلك تولّى الوصي حصر التركة وتقييمها وقسمتها، ووُثقت تلك القسمة توثيقًا داخليًا، واستمر العمل بها سنين طويلة، بل وانتفع بها الورثة فعلًا، واستفاد منها من كان قاصرًا بعد بلوغه ورشده، وظل الأمر في ظاهره مستقرًا لا يثير نزاعًا ظاهرًا، غير أن هذا الاستقرار لم يكن كافيًا لإغلاق باب الخصومة نهائيًا؛ إذ بعد مضي نحو خمس عشرة سنة، أقام بعض من كان قاصرًا وقت القسمة دعوى يطلب فيها نقضها وإعادة قسمتها، محتجًّا بأن القسمة جرت في غيبة الحماية القضائية التي كان ينبغي أن تصاحب وجود القُصَّر والوصية في التركة، وهذه الواقعة نموذج متكرر يدعونا إلى تقرير الأصل في قسمة التركة عند وجود وصية أو قاصر أو غائب أو مفقود.
إن الأصل في قسمة المال المشترك -كالتركة- بطريق الاتفاق أن تكون بين شركاء كاملي الأهلية؛ إذ نصت المادة (3) من لائحة قسمة الأموال المشتركة على أن للشركاء كاملي الأهلية أن يقتسموا المال المشترك بالطريقة التي يتفقون عليها، ثم يقدم الاتفاق إلى الجهة المختصة لتوثيقه، ومفهوم هذا النص أن القسمة الاتفاقية المباشرة ليست طريقًا مقررًا إذا كان بعض أصحاب الحق غير كامل الأهلية.
ولما كانت الوصية لا تعبّر عن إرادتها بنفسها، ولا تملك الدفاع عن مصلحتها بذاتها، فإنها تخرج -من حيث الحاجة إلى الحماية والإشراف- عن نطاق القسمة الاتفاقية التي أجازها المنظم للشركاء كاملي الأهلية، كالقاصر والغائب والمفقود.
ويؤكد هذا المعنى أن المنظم لم يكتفِ بمجرد الاتفاق، بل أوجب التوثيق في المواضع التي يترتب عليها فرز الحقوق في التركة؛ فنصت المادة (243) من نظام الأحوال الشخصية على وجوب توثيق التخارج من التركة أمام الجهة المختصة، وإذا ضُمَّ هذا إلى المادة (33) من نظام المرافعات الشرعية التي جعلت من اختصاص محاكم الأحوال الشخصية النظر في الإرث، وقسمة التركة إذا كان فيها حصة وقف أو وصية، تبين أن الجهة المختصة بفرز نصيب الوصية وقسمته وتوثيق ذلك هي المحكمة، لا مجرد الترتيب الداخلي بين الورثة، وعليه فلا يكفي أن يتفق الورثة وممثل الوصية على فرز نصيبها فيما بينهم، بل لا بد من عرض ذلك على المحكمة المختصة لتوثيقه والتحقق من صحته وموافقته للمصلحة.
وسبب اشتراط هذا المسلك أن حصة الوصية ليست حقًا يملك الورثة الانفراد بتقديره أو عزله كيف شاؤوا، بل هي حقٌّ يحتاج إلى جهة تتحقق من سلامة فرزه، وخلوه من الإضرار، وموافقته للمصلحة التي قصدها الموصي، ولذلك لم يكن الرجوع إلى المحكمة في فرز نصيب الوصية مجرد إجراء شكلي، بل ضمانةً نظامية لحقٍّ يحتاج بطبيعته إلى من يتولى حمايته والإشراف على فصله من التركة على الوجه الصحيح، وهذا المعنى يبدو أوضح ما يكون إذا كانت الوصية وصيةً بوقف، أو تعلقت بأصول يصعب تقديرها أو قسمتها، أو يخشى وقوع الحيف عند عزل نصيبها.
ولا يلزم من وجوب الفرز القضائي عند وجود الوصية أن تُقسم التركة كلها في وقت واحد؛ بل يمكن أن يُفرز نصيب الوصية وحده من التركة فرزًا قضائيًا موثقًا، فإذا تميز حقها وزال شيوعه، ارتفع ما كان يترتب عليه من قيود في التصرف، وأمكن للورثة بعد ذلك أن يتصرفوا في بقية التركة أو يقتسموها بحسب ما يقتضيه الحال إن لم يوجد بينهم قاصر.
رابعا: تحديات وحلول:
إذا كان في التركة حق مشاع للوصية فقد تواجه الورثة بعض التحديات في الفرز والقسمة، ولا ترجع هذه التحديات إلى أصل الوصية وإنما إلى كيفية فرزها من التركة، فقد يثقل على الورثة سلوك الطريق القضائي بما يستتبعه من إجراءات حصر التركة، والتقييم، ورفع الدعوى، وندب الخبير، وما قد يلابس ذلك من بطءٍ يفضي إلى فوات فرص بيع بعض الأصول كالعقارات، أو تراجع قيمتها، لاسيما في الأموال التي تتأثر بتقلبات السوق وتعاقب الزمن.
ولا يخفى أن الصفقات العقارية -مثلا- قد لا تحتمل ما يطرأ من تأخير بسبب إجراءات التقييم والنظر القضائي، ثم تزداد المسألة دقةً إذا كانت التركة مشتملةً على أصول متنوعة؛ لأن كل نوع من المال يستدعي نظرًا في طبيعته النظامية وآثاره الاستثمارية والإدارية.
وأمام هذه التحديات يظهر أن من أنفع الحلول ما يلي:
- تعيين الموصى به: فلا يوصي الموصي بوقف نسبة مشاعة من التركة، بل يحدد أعيانًا ويسميها كأن يوصي بعقارٍ محدد، أو بمبلغ معلوم، أو بعدد معين من الأسهم؛ لأن ذلك يجعل محل الوصية منضبطًا من أول الأمر، ويقصر أثرها على عينٍ مخصوصة، بدل امتدادها إلى جميع أموال التركة بما يثقل إجراءات الفرز ويعسر معه اتخاذ القرار، كما أن تحديد العين الموصى بها يدفع أسباب النزاع قبل وقوعها بإذن الله، وبما أن هذا الوقف لا ينفذ إلا بعد وفاة الموصي لكونه وصية، ولأن الوصية عقد جائز؛ فله أن يرجع عنها أو يعدلها كيف يشاء، فإن الموصي إذا تغير رأيه في الأعيان جاز له تعديل ما يراه في وصيته متى شاء.
- الوصية بأسهم شركة أو حصصها: وذلك بأن تكون هذه الشركة حاضنة للتركة أو لبعض أصولها؛ لأن المقصود من ذلك جمع الأصول في وعاء واحد يسهّل القسمة والتخارج، بدل بقائها متفرقة بين عقارات، ونقود، وحقوق، وأعيان متعددة تسري فيها الوصية على وجه الشيوع، فإذا جُمعت التركة -أو بعضها- في شركة، أصبح التعامل مع الأنصبة أوضح، وأيسر في التقييم، وأقرب إلى الضبط عند الرغبة في فرز الحقوق أو التخارج عليها؛ إذ يكون محل النظر حينئذٍ هو الأسهم أو الحصص، لا كل أصل من أصول التركة على حدة، وهذا لا يلغي ما قد يلزم من الإجراءات النظامية، لكنه يخفف من تشتت المال، ويقلل من آثار الشيوع، ويجعل القسمة والتخارج أقرب إلى السهولة والانضباط، كما أنه يحقق مقصود الموصي في إشراك الوصية في التركة.
الخاتمة:
ولعل الخلاصة التي ينتهي إليها هذا المقال هي أن الإشكال في كثير من التركات ليس في وجود الوصية من حيث الأصل، وإنما في كونها وصيةً مشاعةً تتخلل جميع الأموال؛ إذ عندئذٍ تتسع دائرة التعقيد، ويثقل مسار الفرز، أما إذا أُحسن بناء الوصية من أول الأمر، فجُعلت في معين، أو أُدخلت في وعاءٍ منظمٍ يحد من تفرق الأصول، أمكن تقليل كثير من هذا العناء، وصار تنفيذ الوصية أقرب إلى حفظ الحق، وأدنى إلى تحقيق مقصود الموصي، وأرفق بالورثة في آنٍ واحد.
ومن هنا كانت الاستعانة بالخبراء والمختصين من أنفع الوسائل لحفظ الحقوق، واختصار المدد، وتلافي الأخطاء، ومنع نشوء نزاعات كان يمكن تداركها منذ البداية بحسن الترتيب وسلامة المسلك.
