محتويات المقال

الكاتب

المحامي أ.يوسف بن صالح السديس

نائب الرئيس التنفيذي

وقف غير السعودي في المملكة: ما الذي يملكه؟ وما الذي ينتفع به؟

نائب الرئيس التنفيذي لشركة استثمار المستقبل المحامي أ. يوسف بن صالح السديس

منذ صدر الإسلام سارع المسلمون إلى تحصيل الثواب ومضاعفته بشتّى السّبُل، وطَلَبِه في مواطن الفضل والأجر المضاعف، وكان من أبرز ذلك مسارعتهم إلى الوقف، لا سيما في الحرمين الشريفين، حيث تتجلى للأوقاف فيهما صورةٌ من الجلال لا تخطئها العين، ولا يغفل عنها القلب، ولا تزال هذه الأوقاف مثالًا شاهدًا ومشرّفًا للوقف الإسلامي، إذ تضمنت أربطة مخصصة لسكنى الحجاج والزوار وطلبة العلم والفقراء والمحتاجين، وخدمة الحجاج والمعتمرين، مما أسهم في إثراء اقتصاد الحرمين على مر العصور.

وتمضي المملكة العربية السعودية اليوم محافظةً على هذا الإرث الوضيء، ساهرةً على صونه بسنّ الأنظمة والتشريعات التي تحفظ شروط الواقفين، وتنظّم العمل في خضمّ الزخم الاجتماعي والاقتصادي؛ ليظل الخير ممتدًا كما بدأ، ويبقى الوقف مورداً صافياً كما يليق به.

في امتدادٍ لهذا السياق؛ تردني -كما ترد غيري من المتخصصين في شؤون الأوقاف- أسئلة بين الحين والآخر، حول إمكانية وقف غير السعودي (مقيمًا كان أو زائرًا) داخل المملكة العربية السعودية، ولا سيما في مكة المكرمة شرّفها الله، والمدينة النبوية حرسها لله؛ إذْ يرغب كثيرٌ من الموسرين من خارج المملكة، في تخصيص أوقافٍ لهم في هذه البلاد المباركة؛ ابتغاء فضيلة المكان والأجر المضاعف.

ثم تتناسلُ الأسئلة تباعًا حول إمكانية صرف غلة الوقف لبلد الواقف خارج المملكة العربية السعودية، أو صرف الواقف على نفسه، سواءً كان مقيمًا أم زائرًا، غير ذلك من التساؤلات ذات الصلة.

وفي هذه الأسطر سأسلط الضوء على هذه المسائل من رؤية نظامية تجيب عليها؛ مبتدئًا بالحديث عن إمكانية تملك غير السعوديين للعقار -لا سيما في مكة المكرمة والمدينة المنورة- باعتباره أصل المسألة، ثم الانتقال للحديث عن وقفه، ثم الوقف غير العقاري لغير السعوديين من النقود والأسهم ونحوها، وما يتصل بالانتفاع بها بعد وقفها، وصولًا إلى الصورة النظامية الصحيحة لانتفاع غير السعودي من الأوقاف.

أولاً: تملّك غير السعودي للعقار في المملكة

ينص نظام تملك غير السعوديين للعقار، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/14) وتاريخ 19/1/1447ه، على إتاحة تملك غير السعودي للعقار داخل المملكة، بما في ذلك التملّك في مكة المكرمة والمدينة المنورة للمسلمين، وذلك فق شروط وضوابط محددة، وقد قرر النظام سريانه بعد مضي (180 يومًا) من تاريخ صدوره في يناير 2026م.

وعلى هذا، فإن من الطبيعي إتاحة وقف العقار المملوك لغير السعودي (مقيمًا كان أو غير مقيم) ما دام أن النظام قد أجاز التملك، ولم ينص على منع وقفه، إلا أن اللائحة التنفيذية المنظمة لذلك لم تصدر بعد.

ثانياً: وقف غير السعودي داخل المملكة والاستفادة من عوائده

الأصل أن الوقف في المملكة العربية السعودية متاح -بشروطه المعتبرة- لكل من تتوافر فيه الأهلية الشرعية من المسلمين، داخل المملكة أو خارجها، سعوديين كانوا أو غير سعوديين، متى كان الوقف لغرض مشروع، ومصرف واضح، إلا أن ذلك لا يخلو من حالتين رئيستين:

إما أن يكون الوقف عقارًا، أو وقفًا غير عقاري؛ كالنقود والأسهم والمنقولات ونحوها، وبيان ذلك فيما يلي:

  • الوقف العقاري:

تنص المادة (222) من نظام المرافعات الشرعية على مجموعة من الشروط اللازمة لصحة الوقف العقاري لغير السعودي، سواءً كان مقيمًا نظاميًا داخل المملكة أو خارجها، وهي:

  • أن يكون الوقف وفق المقتضيات الشرعية.
  • أن يكون الناظر على الوقف سعودياً.
  • أن يكون الوقف على جهةِ برٍّ لا تنقطع.
  • أن يكون الوقف على أفرادٍ سعوديين أو على جهات خيرية سعودية.
  • أن يُنَصّ في صك الوقفية على أن يكون للهيئة العامة للأوقاف حقُّ الإشراف على الوقف، وعلى خضوعه لنظام الأوقاف المعمول به في المملكة.

وبناءً على هذه الشروط، فإن النظام يمنع صرف غلة وقف غير السعودي على فردٍ غير سعودي، أو على جهة غير سعودية داخل المملكة أو خارجها (إلا من خلال الجهات الرسمية المعتمدة).

كما لم ينص النظام على استثناء الواقف غير السعودي من الاستفادة من غلة وقفه، وسكت عن إمكانية انتفاع الواقف بوقفه بالسكنى له أو لذريته.

  • الوقف غير العقاري:

إذا كان الأصل الموقوف غير عقاري (كالأسهم، والوقف النقدي، والمنقولات ونحوها) فإن النظام لا يشترط على الواقف غير السعودي شروطًا مختلفة عن الواقف السعودي، ولا يوجد ما يمنع نظامًا ن استفادة الواقف من وقفه حال حياته، ولا من استفادة ذريته منه.

ثالثاً: الصفة النظامية الممكنة لاستفادة غير السعودي من وقفه

قد ترد إلى الذهن رغبة غير السعودي في إنشاء وقف والاستفادة من وقفه والانتفاع به -وهو جائز شرعًا- غير أن الصفة النظامية المثلى قد لا تتضح إلا من خلال الممارسة العملية، ومن أفضل التصرفات والممارسات التي وقفت عليها في هذا السياق: أن يُنشئ غير السعودي وقفاً غير عقاري داخل المملكة، ثم بعد استخراج وثيقة الوقف وتسجيله لدى الهيئة العامة للأوقاف، واكتسابه الشخصية الاعتبارية المستقلة، يصبح الوقف كيانًا نظاميًا سعوديًا، له ذمة مالية مستقلة وشخصية قانونية تخوّله من التملّك باسم الوقف.

وبذلك يمكن للوقف بشخصيته الاعتبارية -وليس الواقف- أن يتملّك عقارًا سواء في مكة المكرمة أو في المدينة المنورة، ويكون الناظر هو الممثل النظامي للوقف، وبهذا الخيار يجوز للواقف أن يشترط لنفسه حق النظارة على الوقف (لأنه وقف غير عقاري)، وأن يجعل لنفسه حق الاستفادة من وقفه غلةً واستغلالًا.

أما غير المقيم في المملكة، فلا تزال آلية الانتفاع بالوقف عبر الأنظمة الحكومية الرقمية تشهد تطورًا مستمرًا، ولم تتضح تفاصيلها الإجرائية بصورة مكتملة حتى تاريخ نشر هذا المقال[1]، ومن المؤمل أن تتيسر بصورة أكبر مع ما تشهده المنظومة من تطورات تنظيمية وتقنية.

ختاماً؛ فإن المملكة العربية السعودية -وفق ما تقدم- تسمح للعموم بالوقف، سعوديين كانوا أو غير سعوديين، مقيمين داخلها أو خارجها؛ متى ما كانت هذه الأوقاف ملتزمة بالضوابط الشرعية والنظامية؛ انطلاقًا من إيمانها، على امتداد تاريخها الإسلامي وحاضرها، أن الوقف شريكٌ تنمويٌ فاعل يسهم في ازدهار المجتمع، ومعيار ذلك هو وضوح المقصد، وتحقيق المصلحة العامة، مع الالتزام بالأنظمة التي تنظم الملكية والنظارة والصرف، وأن أنظمة المملكة العربية السعودية هي الحاكم على هذا الوقف في الجهات الحكومية الرسمية؛ أيًّا كانت جنسية الواقف.

كما أؤكد على كل من يرغب في الإقدام على الوقف، أهمية الاستشارة والرجوع إلى الخبراء والمختصين؛ لعرض رغبته وبيان وهدفه من الوقف، للوصول إلى ما يطمح إليه دون الوقوع في إشكالات نظامية قد تحول دون تحقيق مقاصده.


[1] تاريخ نشر المقال 23 ذو الحجة 1447هـ الموافق 9 يونيو 2026م

كلمات ذات صلة: